بعد أزمة هرمز... هل يصعّد مضيق جبل طارق الخلاف بين إسبانيا والمغرب؟
بعد ما يقارب مئتي عام على منح المملكة المتحدة صخرة جبل طارق صفة مستعمرة تابعة للتاج البريطاني، سقطت الحدود بين إسبانيا وهذا الممر الاستراتيجي الذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي.
والاتفاق الذي تم التوصل إليه في تموز/يوليو أنهى واحدة من أعقد الأزمات الحدودية التي ترتبت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست". إلا أن ذلك لا يعني انتقال منطقة جبل طارق إلى السيادة الإسبانية، إذ أفضت أربع سنوات من المفاوضات إلى انضمام الإقليم فعلياً إلى منطقة "شنغن"، مع إشراف مشترك يتيح لإسبانيا المشاركة في مراقبة تأشيرات القادمين عبر الميناء والمطار.
كذلك، التزم جبل طارق تعديل قوانينه الضريبية والجمركية بما يتوافق مع المعايير الأوروبية لضمان سلامة السوق المشتركة، على أن يُزال السياج الحدودي رسمياً وتُسهّل حركة انتقال الأفراد والبضائع، مع الإبقاء على السيادة السياسية البريطانية على الإقليم من دون أي تغيير في وضعه القانوني.
يرى الباحث المتخصص في قضايا أمن الممرات الملاحية الدكتور رأفت محمود أن وجود إسبانيا وبريطانيا في الاتحاد الأوروبي سابقاً، واستمرار عضويتهما في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، جعلهما حليفين في مواجهة مجموعة من التهديدات، "لكنهما يتنازعان في عدد من الملفات، ومنها جبل طارق، إلا أن المصالح المشتركة حالت دون تصاعد الخلاف، وبقي الملف خاضعاً للتفاوض". ويختصر الموقف الحالي في حديثه إلى "النهار" بالقول إن الاتفاق الذي أزال السياج الحدودي بين جبل طارق والأراضي الإسبانية "أسقط الجدار الأخير في أوروبا"، في إشارة إلى جدار برلين.
وترى الباحثة في الشؤون الأوروبية منى ذوايبية أن جبل طارق يمثل البوابة الغربية للبحر المتوسط، ويستمد أهميته من كونه معبراً رئيسياً للتجارة البحرية بين أوروبا والمحيط الأطلسي، و"ممراً استراتيجياً للأساطيل العسكرية التابعة لحلف الأطلسي والقوات البحرية الأوروبية، وبالتالي فإن أي تعديل في نظام إدارته يتجاوز البعد المحلي ويمس الأمن الأوروبي في مجمله".
وتقرأ الاتفاق عبر ثلاثة تحولات استراتيجية متكاملة.
أولها إغلاق آخر ثغرة جيوسياسية خلّفها "بريكست". وثانيها تعزيز العمق الاستراتيجي الأوروبي في غرب المتوسط بالتنسيق مع بريطانيا، وهو ما يكشف، برأيها، تحولاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين من "طلاق سياسي إلى شراكة أمنية انتقائية". أما التحول الثالث فيتمثل في "تكريس مفهوم الأمن الأوروبي متعدد المستويات"، ليصبح جبل طارق جزءاً من البنية الأمنية الأوروبية رغم بقائه تحت السيادة البريطانية، في إطار "سعي أوروبي إلى تقليص أي فراغ جيوسياسي قد تستثمره قوى منافسة في غرب المتوسط".

صراع تاريخي
إذا استثنينا قناة السويس، فإن البحر المتوسط يكاد يكون بحيرة مغلقة، لأن مضيقي البوسفور والدردنيل يربطانه بالبحر الأسود.
وعليه، يشكل مضيق جبل طارق صلة الوصل الوحيدة مع المحيط الأطلسي والقارة الأميركية. ومع إنشاء قناة السويس واكتشاف النفط في الشرق الأوسط، بات ممراً أساسياً لأمن الطاقة العالمي، إذ يعبر من خلاله يومياً نحو 5 ملايين برميل من النفط الخام، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي.
ومن يفرض سيطرته على المضائق المائية يمتلك تأثيراً كبيراً في حركة التجارة العالمية، ولذلك سعت المملكة المتحدة، خلال الحقبة الاستعمارية، إلى بسط نفوذها على أبرز الممرات البحرية، فسيطرت على مصر وقناة السويس وجبل طارق وباب المندب، إلى جانب مواقع استراتيجية أخرى، لتشكّل هذه المضائق سلسلة جيوسياسية مترابطة يؤثر كل منها في الآخر.
واكتسب جبل طارق أهمية إضافية خلال الحرب العالمية الثانية مع احتلال ألمانيا النازية شمال أفريقيا، ثم تعززت مكانته خلال الحرب الباردة في إطار الصراع مع الاتحاد السوفياتي.
وانطلاقاً من هذه الأهمية، تتمسك إسبانيا بمنطقتي سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما في شمال المغرب، وتعتبرهما جزءاً لا يتجزأ من أراضيها استناداً إلى "الوجود التاريخي" الذي سبق قيام الدولة المغربية الحديثة، وتحديداً منذ عام 1640.
هل يعود الخلاف المغربي - الإسباني؟
لا يستبعد محمود أن يعود الخلاف المغربي - الإسباني إلى الواجهة بعد اتفاق جبل طارق، موضحاً أنه، نتيجة النزاع بين إسبانيا وبريطانيا بشأن الصخرة، وبين إسبانيا والمغرب حيال المناطق المتنازع عليها، "تحول الصراع من ثنائي إلى ثلاثي، وكانت العلاقات بين الأطراف الثلاثة تُدار وفق المصالح المشتركة بما يمنع انزلاقها إلى مواجهة عسكرية، مع الإبقاء على الملفات القابلة للتفاوض".
في المقابل، تميّز الباحثة منى ذوايبية بين "الاحتمال السياسي والواقع القانوني"، ولا ترى "مؤشرات موثقة" على أن الاتفاق الأوروبي - البريطاني سيقود إلى تصعيد بين الرباط ومدريد، لكنها ترصد ثلاثة سيناريوات مستقبلية.
السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الاستقرار، استناداً إلى التحسن الملحوظ في العلاقات المغربية - الإسبانية منذ إعلان مدريد عام 2022 دعمها مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، وتنامي التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين، فضلاً عن اعتبار الاتحاد الأوروبي المغرب شريكاً استراتيجياً في ملفات الهجرة والطاقة والأمن، بما يجعل فتح أزمة جديدة أمراً لا يخدم مصالح الطرفين.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على عودة الملف إلى الخطاب السياسي من دون تصعيد ميداني، إذ اعتاد المغرب الفصل بين إدارة ملفاته السيادية والحفاظ على شراكته مع مدريد.
ويبقى السيناريو الثالث الأكثر تشدداً، لكنه يبقى، بحسب ذوايبية، مشروطاً باجتماع عوامل عدة، مثل انهيار التفاهمات السياسية القائمة، أو اندلاع أزمة كبرى في ملف الهجرة، أو تبدل الموقف الإسباني من قضية الصحراء، أو تصاعد المنافسة العسكرية في غرب المتوسط. وعندها يكون التصعيد نتيجة تطورات أوسع في البيئة الإقليمية، وليس نتيجة مباشرة لاتفاق جبل طارق.
من هرمز إلى جبل طارق
في وقت يشهد العالم صراعاً متصاعداً حيال الممرات البحرية، من قناة بنما إلى مضيق هرمز وباب المندب وصولاً إلى ملقا، جاء الاتفاق التاريخي بشأن مضيق جبل طارق.
ورغم ذلك، تجمع الآراء على عدم وجود علاقة مباشرة بين هذه التطورات واتفاق جبل طارق. ويشير محمود إلى أن "الشرق الأوسط يضم خمسة من أهم سبعة مضائق في العالم، وهي تشبه شبكة مترابطة، إذ يفضي كل ممر إلى آخر".
ويضيف أن "العلاقة بين هذه المضائق عضوية"، فاضطراب حركة النفط في هرمز ينعكس على حركة التجارة في بقية المضائق. ويرى أن الخسارة الأكبر ستلحق بالممرات الصناعية، مثل قناة السويس، لأنها تعتمد على الرسوم، بخلاف المضائق الطبيعية التي تكفل حرية المرور فيها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة عام 1982، ما يجعل الخسائر الاقتصادية مباشرة.
وتتفق الباحثة منى ذوايبية مع هذا التقييم، لكنها ترى أن الرابط بين هذه الملفات يندرج في إطار "التفكير الاستراتيجي، لا السببية المباشرة"، إذ لا توجد معطيات تثبت أن الاتفاق جاء رداً مباشراً على أزمتي هرمز أو باب المندب.
وتوضح أن أوروبا تواجه مشهداً بحرياً معقداً يجمع بين التوتر في هرمز، والاضطرابات في باب المندب، والحرب في البحر الأسود، وتصاعد المنافسة البحرية في شرق المتوسط، ما يدفعها إلى الانتقال من حماية مضيق بعينه إلى تأمين سلسلة متكاملة من الممرات الحيوية.
وبحسب ذوايبية، فإن بروكسل لا تملك أدوات لردع إيران عن تهديد هرمز، ولا لإنهاء تهديد الحوثيين في باب المندب، لكنها تستطيع تعزيز الاستقرار السياسي والأمني في إحدى أهم بواباتها البحرية، وهو ما يندرج ضمن مفهوم "المرونة الاستراتيجية"، الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الأوروبية.
البحث عن بدائل
دفعت حرب الشرق الأوسط، وعسكرة هرمز، والتهديدات التي تطاول باب المندب، دول الخليج إلى تسريع البحث عن بدائل لتصدير النفط.
ويأتي ما أعلنه المبعوث الأميركي توم براك بشأن خطوط لأنابيب النفط تمتد إلى موانئ سوريا وتركيا لنقل الخام عبر البحر المتوسط، ترجمة عملية للتحولات الجيواقتصادية المستجدة، إلى جانب مشروع تطوير خط ينبع على البحر الأحمر لزيادة طاقته الاستيعابية، وكذلك المشروع الإماراتي الهادف إلى نقل النفط باتجاه بحر العرب. وفي نهاية المطاف، ستعبر نسبة كبيرة من هذه الشحنات مضيقي جبل طارق والسويس.
ويرى محمود أن الدول، في ظل إدارة الحروب والنزاعات الكبرى، تعمل على تحصين مواقعها الجيوسياسية وتعزيز قدرتها على إدارة علاقاتها الاستراتيجية، وهو ما يفسر الأهمية المتزايدة لدور إسبانيا في إدارة مضيق جبل طارق.
وتؤكد ذوايبية أن اتفاق جبل طارق "يندرج ضمن سياسة أوروبية أوسع تقوم على تقليص نقاط الضعف الداخلية، في وقت تبقى فيه الأزمات الخارجية خارج نطاق السيطرة الأوروبية المباشرة".
نبض