مبادرة مسعد بولس تُعيد هندسة تحالفات القوى في ليبيا... تسوية أم صدام جديد؟
تقف ليبيا مجدداً أمام محاولة جديدة لكسر الجمود السياسي المستمر منذ سنوات. فالمفاوضات التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد الليبي وتوحيد المؤسسات وتشكيل سلطة جديدة، أعادت خلط الأوراق بين مختلف القوى السياسية والعسكرية، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن فرص نجاح هذا المسار، وما إذا كان سيقود إلى تسوية طال انتظارها أم إلى جولة جديدة من الصراع على النفوذ.
وبينما تتسارع الاتصالات المحلية والدولية لدعم المبادرة، تبدو الخريطة السياسية الليبية في حالة إعادة تشكل مستمرة، مع ظهور تحالفات جديدة وتراجع أخرى، في مشهد لا تزال تحكمه توازنات معقدة ومصالح متشابكة.
فقد أعلنت القيادة العامة للجيش الوطني ترحيبها بالمبادرة الأميركية "المميزة والفريدة" و"انخراطها في مفاوضات بشأن تفاصيلها"، بعدما حصلت، وفق بيانها، على ضمانات تتعلق بـ"دورها والحفاظ على مكتسباتها". وبعد ساعات، صدر بيان آخر ممهور بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، يعلن اعتماد "وثيقة مبادئ تشكل خريطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية"، وتتضمن تعهدات بالتوافق على القوانين الانتخابية والبدء في إجراء الاستحقاقات خلال شباط/فبراير المقبل.
هذه التطورات دفعت كثيرين إلى استعادة عشرات المبادرات السابقة التي حملت وعوداً مشابهة، قبل أن تتعثر تحت وطأة الخلافات الداخلية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية.
وفي موازاة هذا الحراك، ربطت الموفدة الأممية هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن، معالجة التحديات التي تواجه ليبيا بـ"تشكيل حكومة تحظى بدعم شعبي واسع وولاية سياسية واضحة، بما يمكنها من توحيد المؤسسات ومعالجة المشكلات الاقتصادية والأمنية".
تحالفات جديدة ومشهد متحرك
لكن خلف هذا الزخم السياسي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالتفاعلات التي أثارتها مبادرة بولس كشفت استمرار التباينات بين القوى الليبية، في وقت لا يزال فيه الموقف الإقليمي والدولي من مخرجاتها النهائية غير محسوم.
ويؤكد المحلل السياسي محمد محفوظ لـ"النهار" أن المبادرة الأميركية "أعادت هندسة التحالفات في ليبيا"، لكنه يلفت إلى أن "هذه التحالفات لم تصبح ثابتة أو متماسكة حتى الآن".
ويوضح أن الضغوط المرتبطة بالبقاء في السلطة هي العامل الأساسي الذي يحرّك معظم الأطراف الليبية، مشيراً إلى أن "الحديث المتزايد عن صيغة سياسية تتمحور حول رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ونائب القائد العام للجيش الوطني صدام حفتر يثير قلق قوى عديدة في الشرق والغرب".
ويرى محفوظ أن "أي محاولة لإشراك الأطراف المعترضة أو استبعادها كفيلة بإعادة رسم التحالفات مرة أخرى"، مؤكداً أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن "تجاوز الأطراف السياسية والعسكرية المؤثرة ليس أمراً سهلاً".

الرابحون والخاسرون
ويتفق محفوظ مع المتخوفين من حدوث انفجار في المشهد الليبي، موضحاً أن "أي معادلة جديدة تفرز أطرافاً رابحة وأخرى خاسرة ترفع تلقائياً احتمالات الصدام المسلح". لذلك، يلاحظ حرصاً دولياً على تجنب فرض حلول حادة أو إقصائية، والسعي إلى مقاربات تستوعب أكبر عدد ممكن من القوى الفاعلة.
في المقابل، يرى أن عودة الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي تمثل فرصة لإحداث تغيير في المشهد، لأن استمرار الوضع القائم "ينذر بمزيد من التعقيدات وقد يهدد وحدة البلاد".
أما الناطق باسم حزب "صوت الشعب" عبد السلام القريتلي، فيقلل من احتمالات الصدام، ويقول لـ"النهار" إن جوهر المقاربة الأميركية "يقوم على تحالف بين الدبيبة، المدعوم من القوى المسلحة النافذة في غرب ليبيا، وصدام حفتر الذي بات يمسك بمفاصل القوة في الشرق والجنوب".
ويضيف أن هذا التحالف يستند إلى موازين القوى القائمة على الأرض، بينما "يبقى تحالف المنفي وصالح وتكالة أقرب إلى محاولة لضمان موقع في المرحلة المقبلة منه إلى كونه قوة قادرة على فرض الوقائع".
من يمسك بمفاتيح المرحلة المقبلة؟
ويذهب الباحث الليبي في الشؤون السياسية أحمد مهداوي في الاتجاه نفسه، معتبراً أن تحالف المنفي وصالح وتكالة يعكس "حالة قلق واضحة من أي مسار سياسي قد يقود إلى تجديد الشرعية عبر الانتخابات".
وبرأيه، فإن هذا التحالف "يركز على حماية مراكز النفوذ القائمة أكثر من تركيزه على معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد".
أما السياسي الليبي المقيم في لندن رمضان هلالة، فيرى أن صدام حفتر "فرض نفسه لاعباً أساسياً في المعادلة الجديدة"، وأن قدرته على السيطرة على معظم مساحة ليبيا تمنحه ثقلاً كبيراً في أي ترتيبات مقبلة.
ويضيف لـ"النهار" أن "المبادرة الأميركية وضعت الدبيبة أمام اختبار صعب، يتمثل في قدرته على احتواء الأطراف المسلحة الرافضة لصعود حفتر في غرب ليبيا، أو القبول بظهور شخصية جديدة تتولى رئاسة الحكومة".
ويرجح هلالة أن تتضح ملامح الترتيبات السياسية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن المسارين الأميركي والأممي "يبدوان متعارضين ظاهرياً، لكنهما يلتقيان في الهدف النهائي المتمثل بإعادة تشكيل السلطة السياسية والتمهيد لإجراء الانتخابات".
ويبقى السؤال المطروح: هل تقود إعادة هندسة التحالفات الجارية إلى تسوية سياسية تنهي سنوات الانقسام، أم أن إعادة توزيع النفوذ بين القوى المتنافسة ستفتح الباب أمام مواجهة جديدة في بلد لم يغادر بعد دوامة الأزمات المتلاحقة؟
نبض