مصر تتحرك لمنع انهيار اتفاق غزة... هل تنجح في إعادة "حماس" وإسرائيل إلى التفاوض؟
كثّفت مصر مساعيها لمنع "اتفاق غزة" من الانهيار، وسط تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل في القطاع، واستهداف قيادات في حركة "حماس"، وفرض ما يُعرف بـ"الخط البرتقالي" الذي يمنح الجيش الإسرائيلي سيطرة على نحو 60% من مساحة غزة، مع إمكانية توسيعها إلى 70% تنفيذاً لتوجيهات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وشملت التحركات المصرية اتصالات مع أطراف دولية والتنسيق مع الوسطاء في قطر وتركيا، إضافة إلى التواصل مع الإدارة الأميركية، الضامنة للاتفاق، بهدف إقناع واشنطن بممارسة ضغوط على حكومة نتنياهو لوقف التصعيد العسكري في القطاع الفلسطيني.

وفد من "حماس" إلى القاهرة
ويؤكد مصدر مصري مطلع لـ"النهار" أن وفداً من "حماس" برئاسة رئيس الحركة في غزة خليل الحية سيصل إلى القاهرة خلال الساعات المقبلة، مشيراً إلى أن الزيارة تأتي بناءً على تفاهمات جرى التوصل إليها مع قيادة الحركة.
وتأتي الزيارة تلبية لدعوة مصرية لاستئناف المفاوضات المتعثرة تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في القطاع. وكانت المرحلة الأولى قد وُقعت في شرم الشيخ خلال تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وتعمل القاهرة حالياً على إعداد ورقة منقحة للخروج من الأزمة الراهنة واستئناف مفاوضات المرحلة الثانية من الخطة الأميركية التي توقفت منذ اندلاع الحرب الإيرانية في أواخر شباط/فبراير الماضي.
وفي موازاة ذلك، تكثف مصر جهودها لدعم التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بما يحد من احتمالات عودة التصعيد ويسهم في استقرار الشرق الأوسط وأمن دول الخليج العربي.
ويرى محللون أن التصعيد الإسرائيلي الذي يتبناه نتنياهو وعدد من وزراء حكومته يرتبط أيضاً بحسابات انتخابية داخلية، مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، والتي ينظر إليها البعض بوصفها "استفتاءً على إرث" هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

جهود إنقاذ المرحلة الثانية
يتوقع أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن الدكتور نبيل ميخائيل أن تثمر الجهود المصرية في إنقاذ اتفاق وقف النار. ويعزو تفاؤله إلى أن "إدارة ترامب تثمن الدور المصري، كما أن واشنطن لا تريد أزمة جديدة في الشرق الأوسط قبل انتهاء أزمة إيران التي تبدو بالفعل في مراحلها الأخيرة".
ويشير ميخائيل، في حديثه لـ"النهار"، إلى أن "الفلسطينيين سيكونون العامل الحاسم في إنجاح الاتفاق، لأنهم يثقون بمصر، كما أن إسرائيل لن تتمكن من عرقلة الجهود المصرية نظراً إلى طبيعة الدور الاستراتيجي الذي تؤديه القاهرة، وخبرتها الديبلوماسية الطويلة في إدارة التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين وسائر أطراف الصراع".
ورغم ترجيحه الانتقال إلى المرحلة الثانية، لا يتوقع ميخائيل جدولاً زمنياً واضحاً لانطلاقها، قائلاً إن هذه المرحلة "لن تبدأ قبل انتهاء الأزمة الإيرانية"، معتبراً أن هناك توافقاً دولياً واسعاً بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على تجنب اندلاع صراعات جديدة في المنطقة.
القاهرة تحاول كسر الجمود
من جهتها، ترى المحللة السياسية والباحثة الفلسطينية في الشؤون الدولية الدكتورة تمارا حداد أن الدعوة المصرية لوفد "حماس" تعكس قناعة لدى القاهرة بوجود فرصة حقيقية لمنع انهيار مسار التفاوض وإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار.
وتقول لـ"النهار" إن "الاتصالات المكثفة التي تجريها مصر مع الوسطاء في تركيا وقطر، إلى جانب التواصل مع الإدارة الأميركية، تعكس حراكاً إقليمياً ودولياً للبحث عن صيغة توافقية تردم الفجوة بين مواقف الأطراف المختلفة".
وتضيف أن إعداد ورقة معدلة ومنقحة يحمل دلالة مهمة، إذ يبدو أن الوسطاء يسعون إلى تجاوز النقاط الخلافية التي عطلت الانتقال إلى المرحلة الثانية عبر تقديم تفاصيل أوضح بشأن وقف النار، وآليات إدخال المساعدات، وترتيبات اليوم التالي للحرب.
وتوضح أن الوساطات تلجأ عادة إلى مثل هذه الأوراق عندما تصل المفاوضات إلى مرحلة الجمود، حيث تصبح الحاجة ملحة إلى مقترحات أكثر تفصيلاً وقابلة للتنفيذ.
وترى حداد أن مصر تدرك أن استمرار الجمود قد يقود إلى جولة جديدة من التصعيد العسكري ويعمق الأزمة الإنسانية في غزة، لذلك تحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف. كما أن واشنطن "لديها مصلحة في تحقيق تقدم يخفف من التوتر الإقليمي، في ظل ترابط الملف الفلسطيني مع ملفات إقليمية أخرى".
وتخلص إلى أن نجاح الورقة المصرية الجديدة "سيظل مرهوناً بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة"، إذ لا تزال العقبة الرئيسية تتمثل في التباين بين المطالب المرتبطة بإنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي من جهة، والضمانات الأمنية والترتيبات السياسية التي تطالب بها إسرائيل من جهة أخرى. وتشير إلى أن التحرك المصري الحالي يمثل محاولة جدية لكسر الجمود وإحياء المفاوضات، لكنه لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق وشيك، بقدر ما يشكل خطوة تمهيدية لإعادة بناء أرضية مشتركة تسمح بالانتقال التدريجي إلى المرحلة الثانية إذا توافرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف.
نبض