طهران تلاحق المعارضة الإيرانية في العراق... هل تفرض شروطها بالنار؟
بعد يوم من إعلان إيران التوصل إلى اتفاق مع العراق لإخراج معارضيها الأكراد من إقليم كردستان أو تسليمهم إلى طهران، استهدف قصف منسوب إلى القوات الإيرانية أحد مواقعهم شمال شرقي أربيل. وبين الإعلان الذي نفته مصادر عراقية رسمية لـ"النهار" والضربة العسكرية الجديدة، يتصاعد التساؤل بشأن الأدوات التي تستخدمها طهران لدفع بغداد إلى الاستجابة لمطالبها. فإيران التي حصلت بموجب اتفاق عام 2023 على تعهدات بإبعاد الجماعات المسلحة عن حدودها، باتت تطالب بإخراج عناصرها من الإقليم أو تسليمهم، فيما تتمسك بغداد بعدم الموافقة على أي ترتيبات جديدة بهذا الشأن.
وأعلن حزب "حرية كردستان" الإيراني المعارض، أمس الأربعاء، تعرض أحد مقراته في منطقة حرير – باليسان لهجوم بأربعة مقذوفات، مؤكداً عدم وقوع خسائر بشرية بعدما أُخلي الموقع مسبقاً. وجاء الهجوم في توقيت حساس، وسط خلاف متصاعد بشأن تفسير الاتفاق الأمني بين العراق وإيران، واستمرار الضربات التي تستهدف مواقع المعارضة الكردية الإيرانية داخل الأراضي العراقية.
وكان السفير الإيراني لدى العراق محمد كاظم آل صادق، قد أعلن الثلاثاء عبر منصة "إكس"، أن الجانبين اتفقا خلال اجتماع اللجنة الأمنية المشتركة على إخراج عناصر الجماعات التي وصفها بأنها "الانفصالية الإرهابية الإيرانية" من إقليم كردستان أو تسليمهم إلى السلطات الإيرانية.
غير أن البيان الصادر عن مستشارية الأمن القومي العراقية بشأن اجتماع الاثنين، برئاسة مستشار الأمن القومي قاسم العبودي، وبمشاركة وفد إيراني وممثلين عن حكومة الإقليم، اقتصر على بحث تنفيذ الاتفاق الأمني السابق والملفات العالقة وتعزيز التنسيق، من دون الإشارة إلى تفاهم يتعلق بطرد المعارضين أو تسليمهم.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر عراقية رسمية لـ"النهار" أن "ما أعلنه السفير الإيراني غير صحيح"، مشددة على "عدم وجود أي اتفاق يقضي بإخراج عناصر الجماعات الإيرانية المعارضة من إقليم كردستان أو تسليمهم إلى السلطات الإيرانية".
وتوضح المصادر أن "الاجتماع جاء ضمن الاجتماعات الدورية المخصصة لمتابعة تنفيذ الاتفاق الأمني السابق بين البلدين"، مؤكدة أنه لم يفضِ إلى قرار جديد من النوع الذي تحدث عنه السفير الإيراني.
وتلفت إلى أن خلو البيان العراقي من الإشارة إلى الاتفاق الذي أعلنته إيران يعزز التباين بين الروايتين، مع الإقرار بأن البيانات الرسمية لا تتضمن بالضرورة جميع تفاصيل المداولات الأمنية.
وفي أحدث موقف حكومي، أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، أمس، استمرار التنسيق مع إيران عبر لجنة عليا لمعالجة ملف المسلحين الأكراد الإيرانيين داخل الأراضي العراقية، ولا سيما في إقليم كردستان، مشدداً على أن بلاده لن تسمح باستخدام أراضيها لتهديد دول الجوار.
ويؤكد هذا الموقف استمرار التعاون الأمني مع طهران، من دون إعلان الموافقة على تسليم المعارضين أو ترحيلهم.

من إبعاد المقرات إلى تسليم المعارضين
تعود جذور الخلاف إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران في آذار/مارس 2023، والذي دخل مرحلة التنفيذ العملي خلال الأشهر التالية، ولا سيما في آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر من العام نفسه.
وركزت الترتيبات على إخلاء مواقع الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة على الشريط الحدودي، ونقل عناصرها إلى مناطق أعمق داخل الأراضي العراقية، على مسافة لا تقل عن 80 كيلومتراً وفق المعلومات المتعلقة بتطبيق الاتفاق، إلى جانب سحب الأسلحة الثقيلة والنوعية ومنع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات ضد إيران.
وشملت الإجراءات إعادة انتشار الجماعات الموجودة قرب الحدود في محافظتي السليمانية وأربيل، ونقل عناصر منها إلى مناطق أبعد، بينها كويسنجق وخانقين ونفط خانة ورانية.
وفي المقابل، ارتبطت هذه الترتيبات بتفاهمات تهدف إلى وقف العمليات العسكرية الإيرانية ضد تلك الجماعات داخل شمال العراق. غير أن استمرار الضربات، وصولاً إلى هجوم الأمس، أعاد إثارة التساؤلات بشأن مدى الالتزام العملي بهذه التفاهمات.
ويكمن جوهر الخلاف الحالي في انتقال المطالب الإيرانية من ضبط النشاط العسكري وإبعاد المقرات عن الحدود إلى المطالبة بإخراج المعارضين من الإقليم أو تسليمهم إلى إيران.
ويحمل الخياران تبعات مختلفة. فإخراج العناصر من إقليم كردستان قد يعني نقلهم إلى مناطق عراقية أخرى، فيما يفتح تسليمهم إلى السلطات الإيرانية مسائل قانونية وسياسية تتعلق بوضعهم واحتمال تعرضهم للملاحقة، ويستدعي إجراءات قضائية وضمانات قانونية لا يمكن افتراض استيفائها استناداً إلى إعلان ديبلوماسي.
ضغوط عسكرية على طاولة التفاوض
ويمنح توقيت الضربة الأخيرة الخلاف الأمني أبعاداً إضافية، إذ يضع بغداد أمام ضغوط متزامنة تتعلق بالمطالب الإيرانية واستمرار العمليات العسكرية داخل أراضيها. ويثير هذا التزامن تساؤلات بشأن ما إذا كانت طهران تسعى إلى توظيف قدرتها على استهداف مواقع المعارضة لتعزيز موقفها التفاوضي، خصوصاً بعدما أظهرت ترتيبات عام 2023 محدودية قدرتها على إنهاء هذا الملف نهائياً.
وتواجه بغداد معادلة معقدة، إذ يتطلب التزامها الأمني مع إيران منع أي نشاط مسلح ينطلق من أراضيها، فيما تقع عليها مسؤولية ضبط العمليات العسكرية الأجنبية وحماية سيادتها، بالتنسيق مع سلطات إقليم كردستان.
أما طهران، فتواصل التعامل مع وجود المعارضة الكردية المسلحة قرب حدودها بوصفه تهديداً لأمنها القومي، وتطالب بإجراءات أشد حزماً، في وقت تُبقي فيه الضربات العسكرية الملف مفتوحاً على مزيد من التوتر.
وتبقى الخطوة التالية لبغداد حاسمة في تحديد مسار هذا الخلاف. فقبول المطالب الإيرانية المتعلقة بتسليم المعارضين سيؤسس لسابقة تتجاوز إجراءات نقل المقرات ونزع الأسلحة التي طُبقت بموجب تفاهمات عام 2023، فيما يعني التمسك برفضها استمرار التباين بين البلدين.
ومع تجدد الضربات داخل كردستان، يزداد إلحاح السؤال بشأن مدى استعداد إيران لاستخدام قوتها العسكرية لانتزاع تنازلات لم تحصل عليها عبر الاجتماعات الأمنية المشتركة، وما إذا كانت بغداد قادرة على إبقاء قرارها الأمني بعيداً عن ضغط السلاح الإيراني.
نبض