"السيطرة المطلقة" على جبل الشيخ... نتنياهو يرفع ثمن الاتفاق مع دمشق
من قمة جبل الشيخ السورية التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية منذ سقوط نظام بشار الأسد، اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يقدّم الوجود العسكري هناك بلغة تُخرجه من خانة الإجراء الموقت. قال إن إسرائيل حققت "سيطرة مطلقة غير مسبوقة" على المجال الممتد من القمة إلى اليرموك، "ومن هنا إلى البحر المتوسط"، وتعهد بمنع أي "جيش إرهابي" من التمركز على الحدود.
جاءت الجولة، برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس ونائب رئيس الأركان تمير يداعي، بعد أسبوع تماماً من إعلان مسؤول إسرائيلي رفيع تعثر محاولة التوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق، فيما تتحرك الوساطة الأميركية مجدداً قبل توجه الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك في 21 أيلول/سبتمبر. وردت دمشق مساء الأربعاء بإدانة دخول نتنياهو إلى الأراضي السورية، وطالبت بوقف التوغلات والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
من "وجود موقت" إلى "أصل أمني"
تكشف اللغة الإسرائيلية مساراً واضحاً في تغيير وظيفة جبل الشيخ. ففي كانون الأول/ديسمبر 2024، تحدثت إسرائيل عن عملية "محدودة وموقتة"، وقال نتنياهو إن القوات ستبقى في الموقع إلى أن يوجد "ترتيب آخر يضمن أمن إسرائيل". وبعد شهر، أعلن كاتس بقاء الجيش في القمة "إلى أجل غير محدد"، قبل أن يربط في 25 آب/أغسطس 2026 أي انسحاب بزوال ما وصفه بـ"التهديدات الجهادية".
وفي 2 أيلول، تحولت هذه المقاربة إلى شرط تفاوضي معلن. مسؤول ديبلوماسي إسرائيلي رفيع أقر بتعثر محاولة التوصل إلى اتفاق أمني، موضحاً أن إسرائيل رفضت الانسحاب من المنطقة العازلة لأنها تعتبرها "أصلاً أمنياً"، بحسب "جيروزاليم بوست".
المفارقة برزت بصورة أوضح هذا الأسبوع. ففي 8 أيلول، قالت البعثة الإسرائيلية في جنيف إن وجود الجيش في المنطقة العازلة "موقت"، وإن إسرائيل لا تملك أطماعاً إقليمية في سوريا. وفي اليوم التالي، وقف نتنياهو على جبل الشيخ ووصف السيطرة على المنطقة بأنها "مطلقة"، واضعاً إياها ضمن "الإنجازات الكبرى" التي حققتها إسرائيل في الحرب.
اتفاق يبدأ من نقطتين متعارضتين
دخلت دمشق محادثات الأردن في 23 آب متمسكة بالانسحاب الإسرائيلي إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول 2024 والعودة الكاملة إلى اتفاق 1974. وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد قال إن الطرفين اتفقا "على الورق على كل شيء تقريباً"، بما يشمل ترتيبات أمنية ومناطق عازلة لا توجد فيها سوى قوات الأمم المتحدة، مع تشكيكه في استعداد إسرائيل للتنفيذ.
أما إسرائيل، فتتعامل مع الواقع الذي فرضته بعد سقوط الأسد كنقطة انطلاق للتفاوض. وهذا هو جوهر الفجوة. دمشق تريد اتفاقاً يعيد الوضع العسكري إلى ما قبل 8 كانون الأول، فيما تريد إسرائيل اتفاقاً يعترف عملياً بجزء من الترتيبات التي أنشأتها بعد ذلك التاريخ.
ويزيد كلام كاتس حجم العقدة. فوزير الدفاع وسّع وظيفة جبل الشيخ إلى ما يتجاوز الحدود السورية، قائلاً إن الموقع يحمي تجمعات الجولان والجليل، ويوفر مراقبة للبقاع اللبناني الذي وصفه بـ"معقل حزب الله"، ويواجه تهديدات "جهادية" ربط بعضها بالمنظومة السورية نفسها. كما أكد أن إسرائيل تحركت سابقاً لمنع ما وصفه بمحاولة تركية للتمركز عسكرياً في سوريا.
بهذا التعريف، يصبح المطلوب من دمشق أكبر من ضمان حدود هادئة. إسرائيل تربط وجودها في القمة بسوريا ولبنان وتركيا في الوقت نفسه، وبشكل الجيش السوري الجديد والتحالفات التي قد تبنيها دمشق.

الانتخابات وتركيا قبل نافذة نيويورك
تأتي هذه السياسة في ذروة حملة انتخابية صعبة يخوضها نتنياهو قبل انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر. استطلاعات نقلتها "رويترز" تتوقع خسارة ائتلافه القومي–الديني، وقد تهبط قوة "الليكود" إلى نحو 20–23 مقعداً، بعدما تضررت صورة نتنياهو الأمنية منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023 والحروب التي أعقبته.
وهنا يمنح جبل الشيخ نتنياهو مادة انتخابية مباشرة. السيطرة على مواقع متقدمة تُقدَّم إلى الجمهور كدليل على تطبيق "درس 7 أكتوبر" وإبعاد التهديد عن الحدود. ودخلت تركيا أيضاً في هذه الرواية، إذ وضع "الليكود" الرئيس رجب طيب أردوغان في حملته إلى جانب شخصيات يصنفها خصوماً لإسرائيل، بالتوازي مع خطاب أمني يحذر من ترسيخ نفوذ تركي في سوريا.
هذه الخلفية ترفع الكلفة السياسية لأي انسحاب قبل الاقتراع. بعدما حوّل نتنياهو جبل الشيخ إلى "إنجاز"، يحتاج أي تراجع عنه إلى مقابل أمني واضح يستطيع تقديمه لجمهوره.
ومع ذلك، تبقى قنوات التفاوض مفتوحة. الشيباني التقى المبعوث الأميركي توم براك في أنقرة هذا الأسبوع، ثم بحث مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في دمشق تطورات الجنوب وخريطة الطريق السورية–الأردنية–الأميركية، فيما جدد الجانب السوري رفض التوغلات الإسرائيلية والتمسك باتفاق 1974.
وفي غضون أقل من أسبوعين، يتوجه الشرع إلى نيويورك، حيث يُتوقع أن يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. لذلك تبدو زيارة نتنياهو محاولة لتثبيت سقف تفاوضي قبل هذه النافذة. دمشق تريد اتفاقاً ينهي الوقائع التي فرضتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول، وإسرائيل تريد اتفاقاً ينطلق من تلك الوقائع ويحفظ أهمها. وعقدة جبل الشيخ ستحدد ما إذا كانت واشنطن قادرة على جمع الصيغتين، أو أن "الأصل الأمني" الإسرائيلي صار فعلياً شرطاً يصعب على دمشق قبوله.
نبض