اتفاق أمني سوري - إسرائيلي شبه مكتمل... تركيا في صلب الخلاف والجولان مؤجل
كشف اجتماع الأردنأن المفاوضات السورية - الإسرائيلية بلغت مرحلة مسودة أمنية شبه مكتملة، لكن ضربة مطار أبو الظهور أظهرت خلافاً جوهرياً على حدودها، يتصل بحق دمشق في بناء جيشها وحجم الدور العسكري التركي، فيما يبقى الجولان مؤجلاً إلى مرحلة سياسية لاحقة.
ورفع الاجتماع الاتصالات إلى أرفع مستوى معلن حتى الآن، إذ جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيسي الاستخبارات العامة والعسكرية بوفد إسرائيلي بقيادة رئيس "الموساد" رومان غوفمان، تحت رعاية أميركية واستضافة أردنية. ووضع احتواء التصعيد واستئناف مفاوضات الاتفاق الأمني وتقريب المواقف التركية - الإسرائيلية على جدول واحد، وفق البيان السوري.
وتكشف تركيبة الاجتماع أن القناة اتسعت من معالجة الاحتكاكات الميدانية إلى التفاوض على أمن الجنوب وحدود الشراكات العسكرية السورية. وجاء اللقاء بعد انقطاع أعقب ضربة أبو الظهور، فيما كان غوفمان قد اتصل بالشيباني في 14 آب/أغسطس، قبل أربعة أيام من القصف، لمناقشة الوجود العسكري التركي.
واستمرت بذلك قنوات خلفية رغم تجميد جولات التفاوض منذ اندلاع الحرب مع إيران. وكانت محادثات باريس مطلع العام قد أفضت إلى إنشاء خلية اتصال مشتركة بإشراف أميركي. وأعلن الشيباني أن الطرفين اتفقا آنذاك على "كل شيء تقريباً على الورق"، ما يكشف تقدماً كبيراً في صياغة الاتفاق واستمرار الخلاف على تفسير نطاقه وآليات تنفيذه.
تركيا في صلب الخلاف
أدخلت ضربة أبو الظهور تركيا مباشرة إلى المعادلة. فالقاعدة تقع بعيداً من الجنوب السوري، وجاء استهدافها بسبب تعاون عسكري قائم بين دمشق وأنقرة. وتفاوض إسرائيل سوريا على ترتيبات داخل أراضيها، بينما يؤثر الدعم التركي في قدرة دمشق على إعادة بناء جيشها وفي حرية الحركة الجوية والعسكرية الإسرائيلية.
وكشفت الأزمة تضارباً في تفسير التفاهمات السابقة. فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن دمشق كادت تخرق "الوضع القائم المتفق عليه في المسائل الأمنية" عبر السماح بانتشار تركي في أبو الظهور. وترفض دمشق وأنقرة وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية أو نشر قوات دائمة، وتتمسك الحكومة السورية بحقها السيادي في بناء الجيش واختيار شراكاتها.
وتعمل واشنطن على آلية لفض الاشتباك تضم سوريا وتركيا وإسرائيل. وجاء اجتماع الأردن لتحديد المساحة التي تستطيع أنقرة التحرك ضمنها، وما تعتبره إسرائيل تهديداً لأمنها. وهكذا يمتد الخلاف من خريطة الجنوب إلى طبيعة الجيش السوري الجديد والتحالفات التي ستسهم في بنائه.

خريطة الاتفاق تخرج من الظل
قدم الشيباني الوصف السوري الأكثر وضوحاً لمسودة الاتفاق: منطقة عازلة تنتشر فيها قوات الأمم المتحدة وحدها، ونطاقات أخرى توجد فيها القوات السورية بمستويات متفاوتة. ويعني ذلك قبول دمشق بمبدأ تقسيم الجنوب إلى مناطق تختلف فيها طبيعة الانتشار العسكري وكثافته.
وتبقى خرائط هذه المناطق وحدودها وأنواع السلاح المسموح بها غير منشورة. كما تبقى العلاقة بين القيود المفروضة على القوات السورية والانسحاب الإسرائيلي موضع خلاف. وقد وضع بيان اجتماع الأردن وقف الغارات والاعتقالات وعمليات الاستهداف والانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 في صدارة المطالب السورية.
في المقابل، تواصل إسرائيل عملياتها داخل الجنوب، بما يفرض وقائع قريبة من مفهومها للمنطقة الأمنية قبل توقيع الاتفاق. ويشرح ميزان القوة غياب الرد العسكري السوري، إذ تراهن دمشق على الوساطة الأميركية لاستعادة الشريط الذي احتلته إسرائيل عقب سقوط النظام.
ويكشف مسار الاتصالات حدود التصعيد المقبول. فقد استمرت القناة خلال التوغلات والضربات الإسرائيلية في الجنوب، ثم انقطعت عندما طاول القصف تعاوناً عسكرياً سورياً - تركياً في الشمال. وهذا يجعل العلاقة بين أنقرة وتل أبيب عنصراً حاسماً في تحديد مصير الاتفاق.
سيناء نموذجاً... انسحاب مؤجل وقيود مبكرة
كشف "أكسيوس" مقترحاً إسرائيلياً يقسم المنطقة الممتدة من جنوب غربي دمشق إلى الحدود إلى ثلاثة نطاقات، تختلف فيها مستويات القوات وأنواع الأسلحة المسموح بها، مستلهماً ترتيبات معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية.
ويتقاطع وصف الشيباني مع المقترح في تعدد المناطق وتفاوت الانتشار، لكن التشابه يبقى شكلياً. فقد ربطت معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية انسحاب إسرائيل الكامل والمتدرج من سيناء باستعادة مصر سيادتها، مع ترتيبات أمنية وقيود متبادلة على جانبي الحدود.
أما دمشق فتفاوض على قيود تمتد داخل أراضٍ سورية أوسع من الشريط الذي احتلته إسرائيل بعد سقوط النظام، قبل إنجاز الانسحاب ومن دون إعلان ترتيبات مقابلة على الجانب الإسرائيلي. وقد ينهي الاتفاق الاحتلال المباشر في ذلك الشريط، لكنه قد يترك سيادة دمشق العسكرية مقيدة ضمن نطاق أوسع.

الجولان خارج التفاوض الراهن
فصل الشيباني بين اتفاق أمني قريب ومرحلة لاحقة تشمل السلام والجولان. وأوضح بيان الأردن أن الاتفاق قد يشكل أساساً لترتيب أشمل، فيما اعتبر بحث الوضع النهائي للجولان سابقاً لأوانه.
ويبقى أصل النزاع بذلك خارج المفاوضات الجارية. فقد احتلت إسرائيل الجولان عام 1967 وضمته عام 1981، واعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسيادتها عليه عام 2019، فيما تتمسك دمشق والمواقف الدولية بأنه أرض سورية محتلة.
ويفتح التأجيل مسارين: أن يمهد الاتفاق الأمني لمفاوضات سلام تشمل الجولان، أو أن يرسخ تسوية طويلة تدير النزاع وتجمّد وضع الهضبة. وكانت واشنطن قد اقترحت منطقة اقتصادية مشتركة منزوعة السلاح على جانبي الحدود، فيما أدرج البيان الثلاثي فرص التعاون التجاري ضمن مهمات خلية الاتصال.
ويبدو اجتماع الأردن محاولة لإنقاذ مسودة متقدمة وتطويق الخلاف الذي كشفته ضربة أبو الظهور. ويبقى نجاحه رهناً بوقف التحركات الإسرائيلية، وتحديد نطاق الدور التركي، وربط القيود الأمنية بانسحاب إسرائيلي والتزامات متبادلة. وقد يدفع فشله النزاع من ترتيبات الجنوب إلى السيادة السورية وتحالفات دمشق ومصير الجولان.
نبض