مسيّرات من العراق إلى السعودية... اختبار مبكر لحكومة الزيدي

المشرق-العربي 18-05-2026 | 20:37

مسيّرات من العراق إلى السعودية... اختبار مبكر لحكومة الزيدي

يأتي هذا التصعيد في توقيت دقيق، ليس فقط لارتباطه بأمن العراق وعلاقاته الإقليمية، بل لأنه يتزامن مع مرحلة تحاول فيها الدولة تقديم نفسها على أنها قادرة على ضبط حدودها وقرارها الأمني والانفتاح على محيطها العربي.
مسيّرات من العراق إلى السعودية... اختبار مبكر لحكومة الزيدي
تبدو الهجمات وكأنها محاولة مبكرة لإحراج الحكومة الجديدة وإظهارها بمظهر العاجز عن السيطرة على الفصائل. (أ ف ب - أرشيف)
Smaller Bigger

في تطور أمني وسياسي بالغ الحساسية، أعلنت المملكة العربية السعودية، الأحد، تعرّض أراضيها لهجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من داخل الأراضي العراقية، في حادثة أعادت إلى الواجهة ملف السلاح المنفلت ونشاط الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، ووضعت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي أمام أول اختبار أمني وسيادي معقد منذ نيلها ثقة البرلمان قبل أيام.

ويأتي هذا التصعيد في توقيت دقيق، ليس فقط لارتباطه بأمن العراق وعلاقاته الإقليمية، بل لأنه يتزامن مع مرحلة تحاول فيها االدولة تقديم نفسها على أنها قادرة على ضبط حدودها وقرارها الأمني والانفتاح على محيطها العربي بعيداً من سياسة المحاور. إلا أن الهجمات الأخيرة حملت رسائل تتجاوز البعد الأمني المباشر، لتلامس طبيعة الصراع على النفوذ داخل العراق وحدود سلطة الحكومة الجديدة ومستقبل العلاقة بين الدولة والفصائل العراقية المسلحة.

وتثير الرواية السعودية بشأن انطلاق المسيّرات من الأراضي العراقية تساؤلات خطيرة حيال قدرة بغداد على فرض سيادتها الكاملة، ولا سيما في المناطق التي تنشط فيها جماعات مسلحة مرتبطة بمحور إيران. وتعيد الحادثة المخاوف من زج العراق مجدداً في ساحة التصعيد الإقليمي بين إيران وخصومها، في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية إلى تجنب أي انخراط مباشر في صراعات المنطقة.

ويرى مراقبون أن توقيت الهجوم لا يمكن فصله عن المتغير السياسي الداخلي المتمثل بوصول حكومة الزيدي إلى السلطة، خصوصاً أن برنامجه الحكومي تضمّن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة وفرض سلطة المؤسسات الأمنية الرسمية. ومن هنا، تبدو الهجمات وكأنها محاولة مبكرة لإحراج الحكومة الجديدة وإظهارها بمظهر العاجز عن السيطرة على الفصائل أو منع استخدام الأراضي العراقية في تهديد دول الجوار.

 

رسائل النفوذ والسلاح

 

ويقول الخبير في الشؤون العسكرية اللواء جواد الدهلكي لـ"النهار" إن "الهجمات بالمسيّرات التي أعلنت السعودية تعرضها لها تمثل تطوراً بالغ الخطورة يهدد سيادة العراق وأمنه القومي وعلاقاته الإقليمية".

ويوضح الدهلكي أن "استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لاستهداف دول الجوار يضع البلاد أمام أزمة سياسية وأمنية وديبلوماسية معقدة، ويعكس وجود خلل خطير في ملف السيطرة على السلاح والقرار الأمني داخل البلاد".

ويؤكد أن "الهجمات تحمل رسائل مباشرة إلى حكومة الزيدي في أيامها الأولى، مفادها أن بعض الفصائل المسلحة لا تزال تمتلك القدرة على فرض وقائع ميدانية تتجاوز سلطة الدولة، وترفض عملياً أي توجه لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية".

ويضيف أن "التوقيت ليس عشوائياً، بل جاء بالتزامن مع إعلان الحكومة برنامجها القائم على فرض هيبة الدولة وضبط السلاح المنفلت، ما يجعل الهجوم محاولة واضحة لإحراج الحكومة داخلياً وإظهارها بمظهر العاجز عن السيطرة على الجماعات المسلحة".

ويشدد الدهلكي على أن "أي تساهل مع هذه الهجمات أو الاكتفاء ببيانات الإدانة سيعطي انطباعاً خطيراً بأن العراق غير قادر على حماية حدوده أو منع استخدام أراضيه في تهديد أمن المنطقة"، داعياً إلى "فتح تحقيق عاجل وشفاف واتخاذ إجراءات حاسمة ضد الجهات المتورطة".

 

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مخاطباً البرلمان خلال جلسة منح الثقة. (أ ف ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مخاطباً البرلمان خلال جلسة منح الثقة. (أ ف ب)

 

اختبار هيبة الدولة

 

من جهته، يقول الباحث في الشأن السياسي عمر ناصر لـ"النهار" إن "هذه الهجمات تمثّل ضربة سياسية وأمنية مباشرة لحكومة الزيدي".

ويعتبر أن "ما حدث لا يمكن التعامل معه كحادثة أمنية عابرة، بل هو تحدٍّ صريح لسلطة الدولة ورسالة ميدانية تقول إن قرار السلاح لا يزال خارج إطار الحكومة".

ويضيف ناصر أن "حكومة الزيدي دخلت منذ يومها الأول في اختبار وجودي حقيقي، لأن استمرار إطلاق المسيّرات من الأراضي العراقية يعني عملياً أن الدولة عاجزة عن فرض سيطرتها الأمنية، وهذا أخطر انطباع يمكن أن يترسّخ داخلياً وخارجياً في بداية عمر أيّ حكومة".

ويؤكد الباحث العراقي أن "القوى التي تقف خلف هذه الرسائل تدرك جيداً أن البرنامج الحكومي تضمّن تعهدات واضحة بحصر السلاح بيد الدولة، لذلك سارعت إلى إرباك المشهد وإحراج الحكومة أمام الرأي العام العراقي والمجتمع الدولي والدول العربية".

ويتابع أن "المجتمع الدولي ودول المنطقة يراقبون ما ستفعله بغداد خلال الأيام المقبلة، لأن طريقة التعامل مع هذه الهجمات ستحدد ما إن كانت الحكومة الجديدة قادرة فعلاً على استعادة القرار السيادي، أم ستبقى أسيرة توازنات الفصائل والنفوذ الإقليمي داخل العراق".

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة العراقية الجديدة أمام معادلة شديدة التعقيد، إما المضيّ في مشروع فرض هيبة الدولة ومواجهة تحدي السلاح المنفلت بما يحمله ذلك من كلفة سياسية وأمنية، أو الاكتفاء بإجراءات احتوائية قد تُفسَّر على أنها عجز مبكر يكرّس استمرار ازدواجية السلطة داخل البلاد، ويؤكد أن القرار الأمني العراقي لا يزال خاضعاً لتوازنات القوى المسلحة والنفوذ الإقليمي.

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان 5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...