قاعدة إسرائيلية سرية في صحراء النجف... كيف كُشف أخطر اختراق أمني في العراق؟
في تطوّر بالغ الحساسية يسلّط الضوء على حجم التداخل الإقليمي في العراق، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن إقامة إسرائيل قاعدة عسكرية سرية في صحراء النجف، استخدمت لدعم العمليات الجوية الأميركية – الإسرائيلية التي استهدفت إيران خلال الحرب الأخيرة، ما فتح الباب أمام تساؤلات حادة بشأن اختراق السيادة العراقية وتحويل البلاد إلى ساحة مواجهة غير معلنة.
وتقول مصادر عسكرية عراقية لـ"النهار" إن "القاعدة أُنشئت بشكل سري في عمق صحراء محافظة النجف، بعيداً من المراكز السكانية وخطوط المراقبة التقليدية، ضمن ترتيبات أمنية معقدة هدفت إلى توفير نقطة إسناد ميداني للعمليات الجوية والدفاعية الإسرائيلية في المنطقة".
وتضيف المصادر أن "القاعدة استخدمت بالفعل في التصدي لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة أطلقتها فصائل مسلحة عراقية مدعومة من إيران، إضافة إلى التعامل مع تهديدات رافقت التصعيد الإقليمي خلال الحرب".
اكتشاف "مصادفة"
وبحسب المصادر، فإن الكشف عن القاعدة الإسرائيلية لم يأت عبر عمليات استخبارية، وإنما "مصادفة"، بعدما لاحظ مواطنون تحركات مريبة ونشاطاً غير اعتيادي في المنطقة الصحراوية، ما دفعهم إلى إبلاغ الجهات الأمنية العراقية.
وتشير إلى أن القوات العراقية تحركت لاحقاً نحو الموقع، حيث وقعت اشتباكات محدودة مع العناصر الموجودة داخله، قبل إخلاء القاعدة وتدمير أجزاء منها، ونقل من كان فيها إلى جهة مجهولة، بعدما بقيت تعمل لنحو أسبوع كامل داخل الأراضي العراقية.
وتواصلت "النهار" مع السلطات الأمنية الرسمية المختصة في العراق، لكنها رفضت التعليق على ما ورد في تقرير "وول ستريت جورنال".
وتحوّلت القضية سريعاً إلى ملف سيادي وأمني شديد التعقيد، خصوصاً مع استمرار التكتم الرسمي عن تفاصيل الحادثة، رغم إعلان السلطات الأمنية فتح تحقيق بشأن ما جرى.
وحتى الآن، لم تكشف بغداد بصورة رسمية طبيعة القاعدة أو الجهة التي كانت تديرها، كما لم توضح كيف تمكنت جهة أجنبية من إنشاء موقع عسكري داخل الأراضي العراقية من دون رصد مبكر أو إعلان رسمي.

"اختراق أمني خطير"
من جهته، يقول المستشار العسكري معن الجبوري لـ"النهار" إن "وجود قاعدة عسكرية سرية داخل الأراضي العراقية يمثل انتهاكاً خطيراً للسيادة الوطنية وتهديداً مباشراً للأمن القومي العراقي"، معتبراً أن ما جرى "يكشف حجم التعقيد الأمني الذي يواجهه العراق، ويؤشر إلى إمكان استغلال أراضيه ساحة صراع إقليمي ودولي بعيداً من إرادة الدولة العراقية".
ويوضح الجبوري أن "خطورة القضية لا تتعلق فقط بوجود القاعدة في ذاتها، وإنما في ما تعنيه من اختراق أمني واستخباري قد يسمح بتحويل العراق إلى منصة عمليات عسكرية، الأمر الذي يهدد بإدخال البلاد في دائرة الاستهداف المباشر والتصعيد الإقليمي، خصوصاً في ظل التوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل".
ويضيف أن "التكتم الرسمي وعدم كشف نتائج التحقيقات للرأي العام يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، ويضع المؤسسات الأمنية أمام تحد كبير يتعلق بضرورة توضيح الحقائق وتعزيز ثقة المواطنين بقدرة الدولة على حماية السيادة الوطنية".
العراق بين المحاور
ويشدد على أن "الحكومة العراقية مطالبة بإجراء تحقيق شامل وشفاف تشارك فيه الجهات الأمنية والاستخبارية المختصة، مع إعلان نتائجه بشكل واضح، وعدم الاكتفاء بالبيانات العامة". كما يلفت إلى ضرورة "مراجعة منظومات المراقبة والسيطرة على المناطق الصحراوية والحدودية، وتعزيز القدرات الاستخبارية لمنع تكرار أي نشاط عسكري غير مشروع داخل الأراضي العراقية".
ويؤكد الخبير الأمني العراقي أن "العراق يجب أن يُبعد عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية، وعدم السماح لأي جهة باستخدام أراضيه لتنفيذ عمليات عسكرية أو تصفية حسابات بين القوى المتصارعة، لأن استمرار مثل هذه الحوادث قد يعرّض البلاد لضغوط أمنية ودولية خطيرة ويهدد استقرارها الداخلي".
وكان نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي أعلن في آذار/مارس الماضي تقديم مذكرة احتجاج إلى التحالف الدولي بشأن عملية الإنزال في النجف، مشدداً على عدم السماح بوجود أي قوة "تعبث بأمن العراق".
ويأتي هذا التطور في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً متزايدة نتيجة تحوله إلى ساحة تداخل بين الصراع الإيراني الإسرائيلي والتنافس الأميركي- الإيراني، واستخدام أراضيه منصة عمليات ضمن الحرب الإقليمية الأخيرة، ما يثير تساؤلات متصاعدة بشأن قدرة المؤسسات الأمنية العراقية على حماية السيادة الوطنية ومنع تحويل البلاد إلى ساحة حرب خفية.
نبض