سوريا بعد حرب إيران… بحث عن موقع في لعبة الطّاقة والتّحالفات
تأتي جولة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الخليج في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات كبرى تعيد رسم خريطة الإقليم: البحث عن بدائل أقل هشاشة من الممرات البحرية بعد أزمة مضيق هرمز، وإعادة اصطفاف التحالفات بعد الحرب على إيران، وضغط الداخل السوري على السلطة للبحث عن اختراق يفتح أفقاً سياسياً واقتصادياً. في هذا التوقيت، تبدو الجولة محاولة لوضع سوريا داخل لعبة الطاقة والتحالفات التي تتشكل في هذه المرحلة، وعدم بقائها خارج خرائط العبور الجديدة أو الترتيبات التي تُرسم حولها.
توقيت الجولة: بين الهدنة والتحولات
شملت جولة الشرع كلاً من السعودية وقطر والإمارات. وذكرت وكالة الأنباء السعودية (واس) أن المباحثات تناولت "العلاقات الثنائية وفرص تطوير التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب تطورات المنطقة"، فيما شددت وكالة الأنباء السورية (سانا) على أن اللقاء بحث أيضاً "المجالات الاقتصادية والاستثمارية ومشاريع الربط الإقليمي"، في إشارة تعكس ما أرادت دمشق إبرازه من أهداف الزيارة، وأنها لا تتحرك في إطار العلاقات الثنائية فقط، بل تضع الجولة في سياق أوسع يتصل بممرات العبور والاستثمار وإعادة التموضع الاقتصادي والسياسي.
ويكتسب هذا التحرك وزنه من توقيته، إذ انطلقت الزيارة مع اقتراب نهاية المهلة الأصلية للهدنة الأميركية–الإيرانية، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديدها. ولم يؤدِّ هذا التمديد إلى تبديد القلق، بل أبقى النقاش مفتوحاً حيال تقليل الاعتماد على الممرات البحرية وإعادة التفكير في المسارات البرية، في ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز. وما عزز ذلك أن الجولة جاءت بعد زيارة الشرع لأنطاليا الأسبوع المنصرم، وتلتها مباشرة خطوة أوروبية تقترح الاستئناف الكامل لاتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، بما يضع التحرك الخليجي ضمن مناخ أوسع من إعادة التموضع الإقليمي والدولي.
سوريا في قلب شبكة العبور
لا يدور الحديث هنا عن خط أنابيب واحد بقدر ما يدور حول شبكة عبور أوسع تتوزع فيها الوظائف بين أكثر من طرف. ففي التصور الذي عاد إلى الواجهة بعد أزمة هرمز، تمثّل سوريا العقدة البرية التي يمكن أن تمر عبرها الممرات المحتملة، بينما تمثّل تركيا بوابة الخروج شمالاً نحو أوروبا، فيما تمنح السعودية وقطر المشروع ثقله من جهة الطاقة والقدرة على التمويل والدفع السياسي.
لكن هذه الجغرافيا لا تكفي وحدها. فالممرات لا تُبنى بجدوى العبور فقط، بل تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح بحمايتها وتشغيلها، وهو ما يفسر تزامن الحراك المتصل بسوريا مع دفع أوروبي وأميركي وخليجي نحو إعادة إدماجها في معادلات الإقليم. بهذا المعنى، لا تبدو عودة الحديث عن العبور منفصلة عن عودة الحديث عن التموضع والاستقرار، لأن أي مشروع من هذا النوع يصعب تصوره من دون حد أدنى من استقرار سوريا واندماجها في شبكة تفاهمات أوسع.
فكرة المشروع ليست جديدة، لكن بنيته تبدلت جذرياً. فقد طرح الرئيس السوري السابق بشار الأسد منذ عام 2004 تصوراً يجعل سوريا نقطة وصل في شبكة إقليمية كانت إيران جزءاً أساسياً منها إلى جانب العراق وتركيا. أما اليوم، فإن النسخة التي تعود إلى الواجهة تضع الخليج في قلب المعادلة بوصفه مصدر الطاقة والتمويل والدفع السياسي. ويعكس هذا التحول جانباً من نتائج الحرب السورية، بعد تراجع الدور الإيراني وخروجه من صلب الترتيبات الجديدة، مقابل صعود السعودية وقطر كشريكين محتملين في النسخة الجديدة من المشروع. وفي هذا السياق يعود أيضاً إلى الواجهة مشروع خط الغاز القطري المطروح منذ عام 2009، وهو المشروع الذي أحاطت به لاحقاً سرديات كثيرة ربطته بالحرب السورية، وإن بقي هذا الربط موضع جدل أكثر منه حقيقة محسومة.

إدماج دولي وضغوط داخلية
يمكن فهم الحراك الأميركي والأوروبي المحيط بسوريا في هذا السياق، فالصعوبات التي تحيط بأي مشروع عبور من هذا النوع لا تدفع الغرب إلى انتظار نتائجه، بل إلى تهيئة شروطه السياسية والاقتصادية مسبقاً. لذلك جاءت الخطوات الغربية الأخيرة من بوابة إعادة دمج سوريا، لا من بوابة إعلان مشروع نهائي.
ولعل هذا ما يفسر دفع أوروبا نحو إعادة تفعيل اتفاق التعاون مع دمشق، في وقت تقلل فيه من الاعتماد على الغاز الروسي، فيما اتجه الأميركيون إلى تفاهمات أولية في قطاع الطاقة، مثل مذكرة "شيفرون" مع الشركة السورية للنفط و"UCC Holding" القطرية لتقييم إمكانات الاستكشاف قبالة الساحل. وفي هذا السياق أيضاً تندرج الدعوة الأوروبية لدمشق إلى اجتماع قبرص، بوصفها جزءاً من محاولة أوسع لإدخال سوريا في مناخ سياسي إقليمي قد يصبح لاحقاً شرطاً ضرورياً لأي شبكة عبور يُراد لها أن تمر عبرها وتخدم في نهاية المطاف أسواق أوروبا وأمنها الطاقي.
ومع ذلك، لا يقتصر أثر هذا الحراك على المسار الخارجي، بل ينسحب أيضاً على حساباتها الداخلية. وليس من المصادفة هنا أن تطرح وسائل إعلام قريبة من السلطة، مثل "تلفزيون سوريا"، الجولة الخليجية من زاوية استكشاف فرصة الانضمام إلى تحالف السعودية–باكستان. وبخصوص الداخل، فإن هذا المسار يلتقي مع حاجة السلطة إلى توسيع هامشها السياسي والاقتصادي في مرحلة انتقالية مثقلة بالأزمة، ما يمنح أي حديث عن استثمارات جديدة أو حتى عن تعديل حكومي محتمل دلالة تتجاوز الشأن الداخلي إلى محاولة التكيف مع الدور الإقليمي الأوسع.
غير أن خطوط الطاقة لا تحتاج إلى الاستقرار فقط، بل كثيراً ما تصبح هي سبباً لإثارة الصراعات. وتجربة "التابلاين" في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي تكشف كيف خرج المشروع من كونه فرصة استثمارية إلى كونه جزءاً من مناخ الانقلابات وعدم الاستقرار، حين تداخل مع التجاذبات الإقليمية والدولية ومعارك السيادة والرسوم والتموضع السياسي.
تبدو زيارة الشرع الخليجية، بما رافقها من تركيز على ممرات الطاقة والربط الإقليمي، اختباراً لموقع سوريا داخل صراع خرائط يتشكل في الإقليم بعد الحرب على إيران. فالممرات البرية المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بمصير مضيق هرمز، بل أيضاً بمكانها داخل مشاريع ربط أوسع، بينها الممر الهندي–الأوروبي، فيما تتداخل فوق الجغرافيا السورية حسابات الخليج وتركيا وإسرائيل وأوروبا معاً.
ومن هنا لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الأنابيب ستمر، بل على أي خريطة ستفرض نفسها أولاً، وأي موقع ستنجح دمشق في انتزاعه داخلها، وأي ثمن سيدفعه الداخل السوري إذا بقي هذا التموضع أكبر من قدرة المرحلة الانتقالية على احتماله.
نبض