رسالة إماراتية – سعودية من أبوظبي: شراكة المصير تُسقط رهانات الخلاف
حين اختار المستشار الديبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش عبارة "أمننا ومصيرنا مشترك" للتعليق على زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى أبوظبي، كان يختصر جوهر العلاقة بين البلدين، ويرد على القراءات التي تراهن على تحوّل التباينات في بعض الملفات إلى خلاف استراتيجي. فالزيارة التي جرت اليوم الأحد حملت رسالة سياسية واضحة عن رسوخ الشراكة السعودية - الإماراتية، وقدرتها على مواكبة التحديات الإقليمية من موقع المصالح المشتركة والثقة المتبادلة.
والرسالة اكتسبت قوتها من مستوى اللقاءات وتوقيتها. فقد استقبل رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الأمير خالد، الذي نقل إليه تحيات الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وتناولت المباحثات العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وسبل ترسيخ الاستقرار. كما التقى الوزير السعودي نائب رئيس الدولة الشيخ منصور بن زايد، في محطة عكست أهمية التنسيق المباشر بين القيادتين.
وتؤكد الاتصالات السعودية الإماراتية خلال المرحلة الأخيرة البعد الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين، وأهمية تعزيزها في ظل التحديات الخطيرة التي تواجه المنطقة. وتندرج الزيارة، التي سبقتها زيارة الشيخ منصور بن زايد إلى الرياض، في سياق سلسلة من الاتصالات الرفيعة المستوى، تعكس حرص القيادتين على تعزيز الشراكة وتطوير التنسيق بشأن الملفات المشتركة.
ويبدي مراقبون تفاؤلاً بمسار التواصل، وما يحمله من فرص لاستعادة زخم التنسيق السعودي الإماراتي بكامل أبعاده الاستراتيجية، إدراكاً لأهمية هذا التنسيق وضرورته في مواجهة أزمة إقليمية بالغة التعقيد.
شراكة راسخة في مواجهة رهانات الخلاف
في قراءة خاصة لـ"النهار"، يمنح الكاتب والصحافي الإماراتي محمد الحمادي الزيارة بعداً يتصل بطبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين.
فالحمادي يعتبر أن لقاء محمد بن زايد والأمير خالد بن سلمان "يحمل دلالات تتجاوز اللقاء البروتوكولي"، إذ يؤكد عمق العلاقات الإماراتية - السعودية، وما يجمع البلدين من تاريخ وروابط أخوية ومصير مشترك.
وتبرز أهمية هذه القراءة في الفصل بين ثوابت العلاقة ومتغيرات المشهد الإقليمي. فالتحديات الأمنية ترفع مستوى الحاجة إلى التنسيق، فيما تستند الشراكة إلى رصيد سياسي واقتصادي واجتماعي تراكم على مدى عقود.
ومن هذا المنطلق، يشدد الحمادي على أن "التشاور والتنسيق بين الرياض وأبوظبي ركيزة أساسية لحماية أمن الخليج وتعزيز استقراره وازدهاره". ويستحضر التجارب السابقة ليؤكد أن "حكمة القيادتين وصدق المواقف في الشدائد أقوى من كل رهان على الخلاف"، وأن الشراكة بين البلدين "مصلحة راسخة لشعبيهما وللمنطقة".
وتتقاطع هذه المقاربة مع الرسالة التي وجّهها قرقاش عبر منصة "إكس"، معتبراً أن زيارة الأمير خالد ولقاءه رئيس الدولة يؤكدان عمق العلاقات ورسوخها، وأن "حكمة القيادتين وصدق المواقف في الشدائد أبلغ رد على كل رهان بخلاف ذلك"، في إشارة إلى قراءات ضخّمت التباينات حيال بعض الملفات الإقليمية.
وتضع الكاتبة والمحللة السياسية الإماراتية يسرا عادل، في حديث لـ"النهار"، هذه القراءات أمام معيار الوقائع. فالعلاقات، بحسب تعبيرها، "ليست علاقة تصنعها اللحظة حتى تبددها ضوضاء عابرة"، وتؤكد أن قنوات الاتصال الرسمية وتبادل الوفود واتساع التعاون أصدق من ضجيج منصات التواصل.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الملف اليمني، الذي أثار تباينات في بعض الحسابات السياسية. فعادل لا ترى في المواقف الإماراتية المعلنة مؤشرات إلى تحالف عسكري جديد، وتستند في قراءتها إلى بيانات وزارة الدفاع بشأن انتهاء الوجود العسكري الإماراتي في اليمن، بعد إعلان استكمال عودة القوات في 2 كانون الثاني/يناير 2026.
وتختصر عادل دلالة الزيارة بأنها تؤكد أن "جسور التواصل بين أبوظبي والرياض لم تنقطع"، وأن ما يجمع البلدين أكبر من أن تختزله الروايات العابرة.
ومن الجانب السعودي، يتناول الكاتب الدكتور شاهر النهاري، في حديث لـ"النهار"، مسألة التباينات من زاوية مختلفة، تقوم على ضرورة الحوار الصريح ومنع استثمار الاختلافات من أطراف أخرى.
فالتوقيت الإقليمي، في تقديره، بالغ الخطورة، ويستدعي من الرياض وأبوظبي قراءة معمقة للمستقبل، وإدراك أن "الخلافات، مهما كانت أسبابها، لا ينبغي أن تحجب حقيقة المصير المشترك". ويحذر من اتساع الاختلافات إلى حد تصبح معه فرصة تستثمرها أطراف أخرى على حساب أمن البلدين واستقرارهما.
وتنبع أهمية هذه الدعوة من إدراك أن الشراكة الاستراتيجية تحتاج إلى إدارة مستمرة، خصوصاً عندما تتباين المصالح أو تقديرات المواقف. ويرى النهاري أن التقارب "ضرورة استراتيجية تفرضها ظروف لا ترحم المتفرقين"، داعياً إلى تغليب المصالح الكبرى والشفافية في معالجة نقاط الاختلاف.
ويربط النهاري قوة الدول بمتانة علاقاتها واتساع دائرة شركائها، مشدداً على استحالة تصور خليج آمن ومستقر بمعزل عن السعودية والإمارات وسائر دول مجلس التعاون.

من حماية الخليج إلى استعادة المبادرة العربية
يتزامن هذا الحراك مع تصاعد الهجمات التي يشنها الحوثيون على السعودية، وما أحدثته من اضطرابات في حركة الطيران ومخاوف على المنشآت الاقتصادية الحيوية. وتبرز في هذه الظروف أهمية التنسيق الدفاعي والديبلوماسي بين دول الخليج، خصوصاً مع اتساع تداعيات المواجهة الإقليمية مع إيران.
وقد اتخذت أبوظبي موقفاً واضحاً بإدانة الاعتداءات على المنشآت المدنية والاقتصادية السعودية، وتأكيد التضامن الكامل مع المملكة. والثلاثاء الماضي، جدد وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد هذا الموقف خلال اتصال بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان.
وتضع هذه التطورات منظومة الأمن الخليجي أمام تحديات تتصل بحماية المطارات والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، إلى جانب الحاجة إلى تنسيق المواقف السياسية لاحتواء التصعيد.
وهنا يبرز البعد العملي للزيارة. فرئيس تحرير "عرب نيوز" السعودية فيصل عباس يؤكد لـ"النهار" أنها تأتي في مرحلة تتطلب "مزيداً من التواصل والحوار البناء"، إلى جانب "تفعيل آليات العمل الخليجي المشترك، بما يحفظ أمن دول مجلس التعاون الخليجي، ويحقق تطلعات الشعوب، ويحميها من المخاطر المحدقة إقليمياً".
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها بالنظر إلى الوزن السياسي والاقتصادي والعسكري للبلدين، وقدرتهما على دعم آليات تنسيق خليجية أكثر فاعلية. فالمخاطر التي تستهدف الملاحة والمنشآت الاقتصادية والطيران المدني تفرض تعزيز الجاهزية المشتركة، فيما تتطلب الأزمات الإقليمية قنوات ديبلوماسية قادرة على خفض التصعيد وحماية المصالح الحيوية.
لكن الرسالة التي تحملها الزيارة تكتسب امتداداً عربياً مع إعلان مصر استعدادها لتقديم الدعم اللازم للسعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية، وهو تطور يعيد طرح أهمية التنسيق العربي في التعامل مع التهديدات الأمنية.
وفي قراءة خاصة لـ"النهار"، يرى المفكر الكويتي وأستاذ علم الاجتماع السياسي محمد الرميحي أن المنطقة تشهد تبلور ما يسميه "محوراً عربياً للسلام"، تمتد ركائزه من القاهرة إلى الرياض وأبوظبي.
ويربط الرميحي لقاء محمد بن زايد والأمير خالد بن سلمان بموقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن هذه المواقف تعكس إدراكاً عربياً مشتركاً لضرورة حماية الدولة والتنمية واستقرار المجتمعات، في مواجهة ما يصفه بمشروع إيراني يسعى إلى فرض الوصاية على الجوار.
وتقوم رؤيته على الجمع بين الثقل السياسي والاقتصادي والقدرة على الردع، انطلاقاً من أن "السلام يحتاج إلى إرادة وقوة تمنع المعتدي من تفسير الصبر ضعفاً". ويدعو إلى تحويل التفاهم العربي إلى تنسيق دائم ومؤسسات فاعلة، مختصراً موقفه بعبارة "الأمن العربي تصنعه إرادة عربية".
وبين تأكيد الإمارات رسوخ الشراكة، والدعوات السعودية إلى الحوار وتفعيل العمل الخليجي، والرؤية الكويتية لاستعادة المبادرة العربية، تتضح رسالة أبوظبي بشأن متانة العلاقات بين البلدين، وقدرتها على مواجهة التحديات الراهنة وتعزيز الاستقرار وحماية مصالح شعوب المنطقة.
نبض
