من "أدنوك" إلى "أرامكو"... طهران تصبّ غضبها على نفط الخليج
فيما تدفع دول الخليج نحو احتواء الحرب وتجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد، تتسع دائرة الاستهداف لتطاول مصالحها الحيوية. خلال أقل من 24 ساعة، اتهمت الإمارات إيران بضرب سفينة مرتبطة بـ"أدنوك" في مضيق هرمز، فيما أعلن الحوثيون استهداف مصفاة "أرامكو" في جازان. حادثتان تكشفان اتساع نطاق الضغط الذي تمارسه طهران وحلفاؤها على دول اختارت منذ بداية المواجهة حماية الاستقرار الإقليمي وإبقاء خطوط الطاقة والملاحة بعيدة من الحرب.
وتزداد دلالة الهجومين مع المفاوضات الجارية بشأن هرمز. فبينما تبحث الوساطات عن ترتيبات تعيد حركة الملاحة الطبيعية، توحي الضربات بأن إيران تستخدم الضغط على مصالح دول الخليج بالتوازي مع المسار السياسي.
"أدنوك" في مرمى الصواريخ والمسيّرات
أعلنت الإمارات، السبت، أن إيران استهدفت بصاروخ سفينة مرتبطة بـ"أدنوك" أثناء عبورها مضيق هرمز، ووصفت الهجوم بأنه من "أعمال القرصنة" التي ينفذها "الحرس الثوري"، مطالبة بوقف الاعتداءات وضمان حرية الملاحة.
وجاء الهجوم بعد يوم من كشف "أدنوك" حجم الاعتداءات التي طاولت عملياتها منذ بداية الحرب. فقد تعرضت 15 من سفن الشركة لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، بينها 3 خلال أسبوع واحد، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد الطواقم وإصابة 20 آخرين. ومع الحادثة الجديدة، ترتفع الحصيلة إلى 16 هجوماً.
وتضاعف هذه الحصيلة دلالة الموقف الإماراتي من الحرب. فأبوظبي حافظت طوال المواجهة على نهج يدفع نحو التهدئة والحلول السياسية، وسعت إلى حماية أمن الملاحة وتدفقات الطاقة من تداعيات الصراع، فيما قابلت طهران هذا المسار بسلسلة متواصلة من الهجمات على سفن مرتبطة بإحدى أهم شركات الطاقة الإماراتية. ومع تكرار الاستهداف، يتجاوز الأمر حادثاً بحرياً منفرداً ليطرح سؤالاً عن استخدام المصالح الاقتصادية لدولة خليجية تسعى إلى خفض التصعيد أداةً لرفع كلفة المواجهة.
وتزداد المفارقة وضوحاً في مضيق هرمز نفسه، الذي كان يمر عبره، قبل الحرب، نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
ويأتي ذلك فيما تسير مفاوضات هرمز في مسارين متناقضين: تقدم تقني بين إيران وسلطنة عُمان بشأن مسار الملاحة، يقابله رفع طهران سقف شروطها السياسية لإعادة فتح المضيق بالكامل. وأعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التفاصيل التقنية المتعلقة بمسار العبور باتت قريبة من الإنجاز، مشدداً على أن الاتفاق مع مسقط وحده لن يعني فتح هرمز.
وبالتوازي، طرح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذوالقدر 6 شروط قال إن على واشنطن تنفيذها قبل إعادة فتح المضيق، تشمل وقف التهديدات والإهانات ضد إيران، وإنهاء الحرب والعمليات العسكرية ضدها وحلفائها في المنطقة، وإبعاد القوات الأميركية عن محيط إيران، ودفع تعويضات عن الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
وبذلك، تربط طهران إعادة فتح هرمز بحزمة سياسية وأمنية ومالية تتجاوز ترتيبات الملاحة، فيما تتحمل دول الخليج التي تدفع نحو التهدئة كلفة متزايدة من استمرار المواجهة واستهداف مصالحها.

جازان في دائرة التصعيد
وبعد أقل من يوم على هجوم "أدنوك"، أعلن الحوثيون استهداف مصفاة "أرامكو" في جازان بالمسيّرات. وأكدت السلطات السعودية اندلاع حريق داخل منشأة في المصفاة وإخماده من دون إصابات، من دون تحديد سبب الحريق رسمياً.
ويأتي الهجوم المعلن ضمن تصعيد حوثي متجدد تجاه السعودية. ففي 25 تموز/يوليو، أعلن الحوثيون استهداف منشآت لـ"أرامكو" في جازان وينبع بالصواريخ والمسيّرات، وأظهرت مشاهد دخاناً كثيفاً يتصاعد من اتجاه مصفاة جازان.
وكشفت مذكرة لشركة "آي آي آر" للاستشارات أن الهجوم السابق أدى إلى إغلاق مصفاة جازان بعدما أصاب مجمعاً للتغويز وتوليد الكهرباء ومنطقة خزانات. وكانت التقديرات تشير إلى استمرار أعمال الإصلاح حتى منتصف آب/أغسطس.
وتبلغ طاقة المصفاة نحو 400 ألف برميل يومياً، وتقع على البحر الأحمر، أحد المسارات الأساسية لصادرات النفط السعودية.
شبكة ضغط تتجاوز اليمن
لكن التطور الأكثر دلالة ظهر قبل أيام من الهجوم الأخير. ففي 30 تموز/يوليو، نقلت "رويترز" عن مسؤولين إقليميين أن تقديرات سعودية وإقليمية تشير إلى تنفيذ الحوثيين هجمات على المملكة انطلاقاً من الأراضي العراقية، بالتنسيق مع جماعات مسلحة عراقية مرتبطة بإيران.
هذه المعطيات توسع جغرافيا التهديد من اليمن إلى العراق، وتمنح الهجمات على المصالح السعودية بعداً يتجاوز المواجهة التقليدية على الحدود الجنوبية للمملكة. كما تظهر توجه الجماعات المتحالفة مع طهران إلى التصعيد عبر ساحات متعددة، في وقت تحاول فيه الرياض منع توسع الحرب والحفاظ على قنوات الاتصال والتهدئة.
تزامن استهداف السفن الإماراتية في هرمز مع تجدد الهجمات الحوثية على السعودية يرسم، في هذا السياق، مساراً يصعب فصله عن استراتيجية الضغط الإيرانية الأوسع. فمن المضيق إلى البحر الأحمر، وصولاً إلى المسار العراقي الذي ظهر أخيراً، تتعدد أدوات الضغط بينما تبقى الوجهة واحدة: مصالح دول الخليج وخطوط الطاقة التي تسعى إلى حمايتها من ارتدادات الحرب.
وبينما تتحرك الرياض وأبوظبي لتثبيت الاستقرار وحماية تدفقات الطاقة، تواصل طهران رفع كلفة المواجهة على جيرانها، في تصعيد يضع صدقية حديثها عن التهدئة أمام اختبار الأفعال.
نبض