50 عاماً على توحيد القوات المسلحة الإماراتية… قرار الشيخ زايد الذي أسّس لحماية الاتحاد وأثبت فعاليته
في السادس من أيار/مايو 1976، ثبّت الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القرار العسكري ضمن قيادة اتحادية واحدة. الخطوة التي جاءت بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بخمس سنوات، وضعت أساساً واضحاً لحماية الدولة. بعد خمسين عاماً، يظهر هذا الأساس في لحظة اختبار فعلي. الاعتداءات الإيرانية التي تعرّضت لها الإمارات خلال الحرب الأخيرة، ثم عودتها المفاجئة بعد فترة هدوء، وضعت هذه البنية أمام اختبار مباشر. والنتيجة ظهرت في قدرة الدولة على الدفاع واحتواء الهجمات، ومنعها من تهديد استقرارها.
خطوة سيادية بعد قيام الاتحاد
قيام دولة الإمارات عام 1971 جمع الإمارات السبع ضمن إطارٍ سياسي واحد، لكنه ترك في السنوات الأولى واقعاً عسكرياً موزّعاً بين قوى محلية متعددة. في تلك المرحلة، كانت لكل إمارة تشكيلاتها، ومرجعياتها، وأنماط عملها، ما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي سبقت اكتمال مؤسسات الدولة.
قرار عام 1976 جاء ليُنهي هذا التوزّع. لم يكن الهدف توحيد القوات المسلحة فحسب، إنما وضع الأمن ضمن مرجعية اتحادية واحدة. هذا التحوّل نقل إدارة القوة من المستوى المحلي إلى مستوى الدولة، وربط القرار العسكري بقيادة واحدة قادرة على تحديد الأولويات وتوجيه الموارد ضمن رؤية موحّدة.
هذه الخطوة شكّلت نقطة مفصلية في مسار بناء الدولة. الأمن أضحى جزءاً من بنية الدولة نفسها، يُدار وفق منطق مؤسساتي واضح. هذا التحوّل أتاح لاحقاً بناء عقيدة عسكرية موحّدة، وتطوير منظومات دفاعية متكاملة، والعمل وفق معايير ثابتة في التدريب والتجهيز.
التراكم عبر العقود
بعد التوحيد، انتقلت القوات المسلحة الإماراتية إلى مرحلة بناء طويلة، اعتمدت على التحديث المستمر والتكامل بين مختلف الأفرع، وتطوير القدرات الجوية والبحرية والبرية، وربطها ضمن منظومة واحدة، فكانت النتيجة بنية عسكرية قادرة على العمل بشكل متناسق أظهر قدرةً كبيرة على التعامل مع التهديدات المعقدة التي تتطلب استجابة سريعة.
مع مرور الوقت، أصبح هذا النموذج جزءاً من الهوية الأمنية للدولة. كل قرار عسكري يُدار من مركز واحد، وكل استجابة تُنفّذ ضمن خطة موحّدة. هذا النمط من العمل منح القوات المسلحة قدرة على التحرك بكفاءة عالية، خصوصاً في البيئة المحيطة التي تتسم بتعدّد التهديد.

قدرة صمود مميّزة
الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وضعت هذه المنظومة أمام أقسى اختبار. فبين أواخر شباط/فبراير والثامن من نيسان/أبريل تعرّضت الإمارات لسلسلة كثيفة من الاعتداءات الإيرانية، ووفق البيانات الرسمية جرى التعامل مع 537 صاروخاً باليستياً، 26 صاروخ كروز، وأكثر من 2256 طائرة مسيّرة خلال تلك المدة.
هذه الأرقام تعكس مستوى ضغط غير اعتيادي، فالهجمات لم تكن متفرقة، بل جاءت بموجات متزامنة، ومن اتجاهات متعددة، بهدف إرباك الدفاعات وإغراقها وخلق ثغرات. ويعتمد هذا النوع من العمليات على الكثافة والتكرار، ويختبر قدرة أي منظومة دفاعية على الحفاظ على تماسكها تحت هذا الضغط الهائل.
في الحالة الإماراتية، ما برز هو ثبات في طريقة التعامل. المنظومة عملت بالكفاءة نفسها طوال مدة الهجمات، من دون تغيير في آلية العمل. التعامل مع الأهداف جرى بشكل متناسق ودقيق، ما منع تراكم الضغط وتحوّله إلى خلل داخل الدولة. لقد استمرّت المرافق الحيوية في العمل، وبقيت الحركة الاقتصادية ضمن مسارها، ولم يظهر تعطّل واسع في النشاط العام.
هذا يعكس قدرةً على احتواء الهجوم ضمن المجال العسكري، ومنع انتقاله إلى الداخل. في هذا السياق، يصبح الدفاع أكثر من مجرد اعتراض للأهداف، ويتحول إلى عملية حماية شاملة للاستقرار.
اختبار 4 أيار
بعد فترة هدوء تلت هدنة الثامن من نيسان، عاد التهديد في الرابع من أيار بشكل مفاجئ. وفق البيانات الرسمية، تم التعامل مع 12 صاروخاً باليستياً و3 صواريخ كروز و4 طائرات مسيّرة أطلقتها إيران.
الهجوم جاء خارج سياق الضغط المستمر، واختبر الجاهزية بشكل مباشر. العودة المفاجئة عادة ما تكشف أي تراجع في الاستعداد، لكن ما ظهر في هذه الحالة هو استمرار مستوى الأداء نفسه. الاستجابة جاءت سريعة ومنسّقة، والأثر بقي محدوداً.
هذا يعكس أن المنظومة لا تعمل وفق ظرفٍ موقت، بل ضمن قواعد ثابتة غير مرتبطة بمرحلة معينة.
بعد خمسين عاماً
بهذا المعنى، يثبت قرار 1976 موقعه كأحد أعمدة بناء الدولة. ما جرى أخيراً يُظهر نتيجة واضحة: منظومة تعمل بثبات، واستجابة تحافظ على تماسكها، وقدرة على إبقاء أثر الهجمات ضمن نطاق محدود. هذا ليس تفصيلاً ظرفياً، بل امتداد مباشر لبنية قرار واحدة تُدار منها القوة على مستوى الدولة. هنا تتجسّد قيمة التوحيد كما أرادها الشيخ زايد، حماية الاتحاد من المخاطر الوجودية، والحفاظ على استقراره في أكثر اللحظات حساسية.
نبض