"مستنقعات" إيران والعراق... مقارنة متهالكة
كأنّ التاريخ العسكري بدأ مع غزو العراق وانتهى معه.
باتت كل عملية عسكرية للولايات المتحدة تستدرج مقارنة مع غزو 2003 وتطلق تحذيراً منه. ظهرت آخر تلك المقارنات مع عملية "الغضب الملحمي". الفارق الزمني البالغ ربع قرن تقريباً كاف لوحده كي يهمّش مقارنة كهذه.
إلى جانب أن الولايات المتحدة غير مستعدة حالياً لغزو بري، تبدو العملية العسكرية المشتركة ضد إيران، إلى الآن، أنجح من غزو العراق. حينها، اعتقلت القوات الأميركية صدام حسين بعد نحو 9 أشهر على بدء العملية. في إيران، تخلّصت الولايات المتحدة وإسرائيل من المرشد الأعلى علي خامنئي، ومن نحو 40 مسؤولاً إيرانياً، في أول طلعة جوية.

حين انتهى شهر آذار/مارس 2003، أي بعد نحو عشرة أيام على انطلاق الغزو، بلغت خسائر الجيش الأميركي نحو 65 جندياً. حتى هذه الأسطر، خسر الجيش الأميركي 6 قتلى. الفكرة العامة واضحة: كانت وتيرة الخسائر الأميركية اليومية خلال المرحلة الأولى من الغزو أعلى بكثير من الوتيرة الحالية.
ماذا تعني هذه الأرقام؟
يمكن الجدال بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان في مرحلة نجاح تكتيكي. مع مرور الوقت، قد ترتفع خسائرهما البشرية، مع استعادة إيران التحكم والسيطرة. في وقت يصعب استبعاد هذا السيناريو تماماً، لا تخفي المؤشرات احتمالاً آخر. بمجرد أن بدأت إيران بتوجيه صواريخها ومسيّراتها إلى دول الخليج العربي، لا إلى القواعد العسكرية الأميركية والإسرائيلية، اعترفت عن غير قصد بأنها لا تملك ما يكفي من الصواريخ والمسيّرات لمعركة طويلة.
اختارت طهران التركيز على ضرب ما ظنت أنها "نقاط ضعيفة"، عوضاً عن استهلاك الصواريخ ضد منظومات دفاعية أميركية وإسرائيلية مختبرة في حرب 2025. في الواقع، عملت دفاعات دول الخليج، كما هي الحال مع الإمارات العربية المتحدة، على تخييب ظن الإيرانيين. حتى نسبة الصواريخ الضئيلة التي استهدفت إسرائيل راحت تتراجع مع نهاية اليوم الثالث من العملية. وأغلب الظن أنّ تدخل "حزب الله" في الحرب يهدف إلى تخفيف الضغط عن ترسانة الصواريخ الإيرانية، استهدافاً واستنزافاً. لهذا السبب، قد يكون ادعاء ترامب أن إيران طلبت التفاوض صحيحاً وليس فقط ضغطاً معنوياً.
أي مقارنة أفضل؟
بحسب راندال فولر، أستاذ جامعي ومؤلف كتاب "أكثر من عقيدة: حقبة أيزنهاور في الشرق الأوسط"، يمكن تشبيه الحرب الحالية بتدخل واشنطن في الأعوام الأخيرة من الحرب العراقية-الإيرانية، حين دمّرت أميركا الكثير من البحرية الإيرانية، فأجبرت طهران على وقف الحرب. قد يدفع ترامب القيادة الجديدة في طهران إلى "تجرّع كأس سمّ" أخرى، إذا قبلت بالعودة الى طاولة التفاوض بشروطه.

تملك هذه النظرية سنداً صلباً. فالولايات المتحدة قد لا تكون راغبة بالضرورة في تغيير النظام، بل في تغيير عقليته، كما قال مؤخراً نائب الرئيس جيه دي فانس. قد يكون ذلك تحايلاً على الهدف الرئيسي، بعدما صمد النظام عقب اغتيال قائده. وفي جميع الأحوال، ليس ضرورياً أن يسقط النظام الإيراني عما قريب. لم يسقط سلوبودان ميلوسيفيتش بفعل الضربات الأميركية والأطلسية بشكل رئيسي سنة 1999، بل بمساهمة لاحقة من احتجاجات شعبية سنة 2000. هذه الفكرة متداولة على الأرجح في دوائر التخطيط والقرار، بالنظر إلى دعوات ترامب المتكررة للشعب الإيراني إلى تغيير النظام.
سيناريو الغرق الأميركي في "مستنقع" إيراني، كما حصل في العراق، أمر وارد.
لكن هل هو السيناريو الوحيد؟
بالطبع لا. وقد لا يكون الاحتمال الراجح حتى. فالأميركيون تعلّموا الكثير خلال العقدين الماضيين.
نبض