الصومال... عودة القرصنة ورسائل إيران الخفية

العالم العربي 09-05-2026 | 12:04

الصومال... عودة القرصنة ورسائل إيران الخفية

هل تحولت عمليات الاختطاف في خليج عدن إلى جزء من رسائل الضغط غير المباشرة المرتبطة بحرب إيران؟
الصومال... عودة القرصنة ورسائل إيران الخفية
قرصان صومالي يراقب سفينة شحن راسية قبالة الساحل، أثناء احتجازها مقابل طلب فدية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بعد سنوات من التراجع، عاد قراصنة الصومال ليطلوا مجدداً على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. لكن عودة الزوارق المسلحة هذه المرة لا تبدو منفصلة عن الحرب الدائرة حول مضيق هرمز، بؤرة النزاع الحالي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خصوصاً مع تزايد المؤشرات إلى تقاطع مصالح بين القراصنة الصوماليين والحوثيين المدعومين من طهران. فهل تحولت عمليات الاختطاف في خليج عدن إلى جزء من رسائل الضغط غير المباشرة المرتبطة بالحرب؟

فخلال شهر نيسان/أبريل الماضي، دُعي قادة سفن الشحن وناقلات النفط إلى مضاعفة الحيطة على هذا الطريق البحري الذي أصبح شديد الازدحام، في وقت تُجبر فيه العديد من السفن على الإبحار عبر السواحل الصومالية لتفادي مضيق هرمز.

وجاء التحذير بعد اختطاف ثلاث سفن في أقل من أسبوعين. ففي الثاني والعشرين من نيسان/أبريل، اختُطفت ناقلة النفط "إم تي أونر 25"، التي ترفع علم بالاو قرب سواحل بونتلاند، وبعدها بخمسة أيام اختُطفت سفينة "سوارد" عندما كانت في طريقها إلى ميناء مومباسا الكيني. ثم جاء الثاني من أيار/مايو ليشهد اختطاف ناقلة النفط "يوريكا" ذات العلم التوغولي قرب سواحل اليمن، قبل أن تُوجَّه نحو مياه الصومال.

 

عودة مختلفة عن 2011

 

الحوادث الأخيرة ذكّرت بالوضع بين عامَي 2008 و2012، حين تحوّل خليج عدن إلى ما يشبه بحيرة مفتوحة أمام مجموعات من القراصنة المسلحين بزوارق سريعة وبنادق، نشأت في غياب الدولة وتغذّت على إهمال ساحلي عميق.

وحينها، وفي ظل تضرر السوق، تحرك المجتمع الدولي سريعاً، فأرسل سفناً حربية وأطلق عملية "أتلانتا"، وهي قوة أوروبية لمكافحة القرصنة، فهدأت الأمور بحلول عام 2014، لكن الهدوء لا يعني في كثير من الأحيان انتهاء الظاهرة.

وفي نهاية عام 2023 وبداية عام 2024، شهدت المنطقة بالفعل زيادة جديدة في أعمال القرصنة، ثم هدأت الأمور قليلاً في بداية عام 2025، مع وقوع حوادث طفيفة قليلة من دون عواقب وخيمة.

لكن هذه المرة، يبدو أن عودة الظاهرة جزء من سياق أوسع مرتبط بالوضع الجيوسياسي العالمي، خصوصاً في ظل حصار مضيق هرمز والحرب مع إيران.

فالعودة الأخيرة ليست شبيهة بما شهدناه عام 2011، وإن بدا الشكل مألوفاً، من زوارق سريعة وسفن مختطفة، إلا أن الهيكل مختلف تماماً، خصوصاً عند النظر إلى موقع الهجمات وتوقيتها.

وأثار ذلك مخاوف بشأن التعاون بين القراصنة الصوماليين والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، تحت غطاء الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط.
وتفيد السلطات في بونتلاند بأن مجموعات القراصنة باتت تمتلك حالياً أجهزة GPS متطورة ومعلومات استخباراتية دقيقة عن مسارات الشحن، أكثر مما يمكن لشبكة محلية عادية أن تجمعه. فالحوادث التي جرت في نيسان/أبريل وأيار/مايو لم تكن اصطياداً عشوائياً، بل كانت عمليات مستهدفة بدقة تشير إلى معرفة مسبقة بجداول السفن وأنواع حمولاتها، وأيضاً قيمتها.

 

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة محافظة مسندم في سلطنة عُمان، في 6 أيار/مايو 2026. (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة محافظة مسندم في سلطنة عُمان، في 6 أيار/مايو 2026. (رويترز)

 

الحوثيون والقراصنة… تقاطع مصالح

 

وفي حقيقة الأمر، فإن التعاون بين الجانبين ليس وليد اللحظة، إذ أقام الحوثيون والقراصنة الصوماليون تحالفاً على مر السنين، وقدم المتمردون الحوثيون في بعض الأحيان دعماً تكنولوجياً وعسكرياً.

وأفادت تقارير بأن اجتماعين عُقدا عام 2024 بين قيادات حوثية وممثلين عن حركة الشباب الصومالية، وانتهيا إلى اتفاق يقضي بتقديم أسلحة وتدريب مقابل تصعيد عمليات الاختطاف في خليج عدن. ويقول محللون إن الحرب الحالية قد تمنح الطرفين دافعاً أكبر للتعاون، إذ يمثل ارتفاع أسعار الوقود فرصة لتحقيق الربح.

وفي خضم هذه الظاهرة، تظهر قراءتان لهذا التعاون. الأولى وردت في تقرير لمركز RTCOM الدفاعي، وصف ما يحدث بأنه "تحالف انتهازي" بين الحوثيين في اليمن والقراصنة الصوماليين، بحيث يقدم الحوثيون الغطاء الجيوسياسي والتقنيات المتطورة للمراقبة، فيما يقدم الصوماليون الرجال والزوارق والمعرفة المحلية.

لكن أرسينيو لونغو، مؤسس شركة HUAX للاستخبارات البحرية، يحذر من استنتاجات التنسيق المباشر، ويفرّق بين ما يسمّيه "نشاط جماعات القرصنة الكلاسيكي" وبين التنسيق المؤسسي مع الحوثيين. ويرى أن البيئة الأمنية المضطربة وحدها كافية لفتح النوافذ أمام كل من يريد استغلالها. والمهم، في رأيه، أن الضغط في البحر الأحمر وخليج عدن وهرمز في آن واحد يشتت القوات البحرية ويخلق فراغاً لم يكن موجوداً من قبل.

وإذا دققنا في الرأيين، نجد أن كليهما صحيح ضمن حدوده. فسواء كان هناك تنسيق مباشر أو مجرد استغلال للفوضى، كانت النتيجة اختطاف ثلاث سفن في أقل من أسبوعين. لكن الفرق بين "استغلال الفوضى" و"صناعة الفوضى" يصعب تمييزه حين يكون المستفيد واحداً في الحالتين.

 

من المستفيد؟

 

الأهم أن ما يجعل هذه العودة أخطر من سابقتها هو السياق المحيط بها. ففي عام 2011، كانت المشكلة معزولة نسبياً في خليج عدن والمحيط الهندي الغربي، أما اليوم فيجري ذلك وسط توترات مضيق هرمز والتهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر.

والجواب عن المستفيد يشمل مستويين. الأول مالي، إذ تستفيد حركة الشباب، التي باتت تعدّ القرصنة مصدراً لتمويل عملياتها البرية، عبر شبكات التجنيد وشراء الأسلحة.

أما على المستوى الاستراتيجي، فيستفيد الحوثيون، أي إيران بصورة غير مباشرة، من كل حادثة تثبت أن المياه المحيطة بجزيرة العرب باتت خطرة ولا يمكن الاعتماد عليها، وأن كل عملية اختطاف تمثل رسالة ضمنية مفادها: طالما لم يُحسم الملف الإيراني، فلن يكون أمن الممرات المائية مضموناً.

والحقيقة المزعجة أن هذا الملف لن يُحسم عبر سفن حربية إضافية، بل بقرار سياسي في طهران أو واشنطن، وكلاهما لا يبدو في عجلة من أمره.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
تحقيقات 5/8/2026 12:33:00 AM
كتبها المبعثرة، التي تحمل اسمها "ليال حمادة"، تؤكد أن هذه الطفلة كانت هنا، كما سائر الأطفال الذين سقطوا في "الأربعاء الأسود" داخل المبنى المؤلف من 12 شقة سكنية.
لبنان 5/8/2026 9:15:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان...