العراق في مرمى التوازنات: كيف يؤثر الصراع الإقليمي على فرص الزيدي في تشكيل الحكومة؟
في خضم بيئة أمنية وسياسية مضطربة إقليمياً، تتجه الأنظار إلى رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي، الذي يواجه اختباراً معقداً لتشكيل حكومة قادرة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج، في وقت تتصاعد فيه تداعيات التوترات المرتبطة بالحرب على إيران وانعكاساتها على المنطقة والعراق تحديداً.
العراق أمام اختبار توازنات خارجية دقيقة
يأتي تكليف الزيدي في سياق سياسي يتسم بتداخل واضح بين الإرادات المحلية والتأثيرات الدولية، إذ لا تزال القوى الخارجية، وفي مقدمها الولايات المتحدة وإيران، تمارس أدواراً مؤثرة في تحديد مسارات العملية السياسية العراقية. وينظر إلى الدعم الخارجي بوصفه عاملاً حاسماً في تسهيل أو عرقلة تشكيل الحكومة، تبعاً لمدى توافقها مع مصالح تلك القوى.
وبحسب مصادر عراقية مختلفة فإن المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الغربية والعربية، يترقب تشكيل حكومة عراقية تظهر قدراً من الاستقلالية في القرار، مع الحفاظ على توازن العلاقات الإقليمية، بعيداً عن الاصطفافات الحادة.
الدعم الخارجي، وإن كان يوفر غطاءً سياسياً واقتصادياً للحكومة المرتقبة، إلا أنه في الوقت ذاته يفرض محددات غير مباشرة على خيارات رئيس الوزراء المكلف، سواء في اختيار فريقه الوزاري أو في رسم أولويات برنامجه الحكومي.
ويرى مراقبون أن الزيدي يتحرك ضمن هامش ضيق، إذ إن أي انحياز واضح لمحور إقليمي قد ينعكس سلباً على فرص حكومته في نيل الثقة الدولية، ويضعف من قدرتها على جذب الدعم الاقتصادي والاستثماري.
ما تداعيات التوترات الإقليمية على مهمة الزيدي؟
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، والتي تلقي بظلالها على العراق، باعتباره ساحة توازن بين أطراف الصراع. وتتمثل أبرز هذه التداعيات في الضغوط الأمنية والسياسية، فضلاً عن تأثيرها على علاقات العراق مع محيطه العربي.
ويخشى أن تؤدي هذه التوترات إلى تعقيد مسار تشكيل الحكومة، خصوصاً في ما يتعلق بتوزيع الحقائب السيادية، التي غالباً ما تكون محور اهتمام القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، قال النائب في البرلمان العراقي أحمد الشرماني، لـ"النهار"، إن "الدعم الخارجي بات عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في تحديد مسار تشكيل الحكومة، لكن التحدي يكمن في كيفية توظيف هذا الدعم دون التفريط بالقرار الوطني".
ويرى الشرماني أن "رئيس الوزراء المكلف مطالب بإيجاد صيغة توازن تضمن قبولاً داخلياً وخارجياً، وهو أمر يتطلب مهارة سياسية عالية في إدارة التناقضات، خاصة أن بغداد تتحرك ضمن شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية، ما يجعل عملية تشكيل الحكومة أقرب إلى تفاهمات غير معلنة بين القوى المؤثرة".
ويضيف أن "التوترات المرتبطة بإيران تزيد من حساسية المرحلة، وتضع الحكومة المقبلة أمام تحديات تتجاوز الشأن الداخلي إلى أبعاد إقليمية ودولية، ولهذا مهمة الزيدي لن تكون سهلة وعليه العمل على كسب الثقة من قبل المجتمع الإقليمي والدولي، فهذا أساس نجاح أي حكومة جديدة".
ما العوامل الحاسمة في مسار تشكيل حكومة العراق؟
ولا يقتصر التحدي أمام الزيدي على نيل ثقة البرلمان، بل يمتد ليشمل كسب ثقة الشارع العراقي، الذي يتطلع إلى حكومة قادرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية، إلى جانب استعادة ثقة الدول العربية والمجتمع الدولي، كما أن نجاح الحكومة المقبلة سيعتمد إلى حد كبير على قدرتها في تحقيق توازن بين متطلبات السيادة الوطنية وضغوط البيئة الإقليمية، في ظل واقع سياسي معقد.
من جهته يرى أستاذ العلوم السياسية حازم الشمري، في حديث لـ"النهار"، أن "تأثير الدعم الخارجي بات عاملاً حاسماً في تحديد مسار تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، والزيدي يواجه تحدياً مركباً في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الداخل وضغوط الإقليم والمجتمع الدولي، وهذا الأمر لا يخفى على أحد".
ويقول الشمري إن "البيئة السياسية الحالية في العراق لم تعد محكومة فقط بالتوافقات الداخلية، بل باتت تتأثر بشكل مباشر بحسابات القوى الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بإيران وما تفرضه من واقع سياسي وأمني معقد، خاصة أن الدعم الخارجي يمكن أن يشكل عنصر تسهيل لعملية تشكيل الحكومة، من خلال توفير غطاء سياسي واقتصادي، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى أداة ضغط تفرض شروطاً غير معلنة على شكل الحكومة".
ويلفت إلى أن "التحدي الأبرز أمام الزيدي يتمثل في الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، مع عدم خسارة الثقة الدولية والعربية، وهو توازن بالغ الحساسية يتطلب إدارة سياسية مرنة وقدرة على المناورة دون الانزلاق إلى محاور متصارعة، خاصة أن التصعيد الإقليمي ينعكس بشكل مباشر على الداخل العراقي، ما يزيد من تعقيد عملية تشكيل الحكومة، ويجعلها أقرب إلى تسوية سياسية متعددة الأطراف، تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع المصالح الخارجية".
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن تشكيل حكومة عراقية تحظى بثقة داخلية وخارجية في آن، بات مهمة شاقة، تتطلب إدارة دقيقة للتوازنات، وقدرة على المناورة السياسية. وبين الدعم الخارجي والضغوط الإقليمية، يبقى مستقبل حكومة الزيدي مرهوناً بمدى نجاحه في تحويل التحديات إلى فرص، دون الوقوع في فخ الاصطفاف.
نبض