العراق: ما يحتاج إليه الزيدي وما يُنتظر منه
القدرة على إدارة العلاقات مع القوى الكبرى بمرونة وواقعية، دون التفريط في السيادة الوطنية، تمثل عاملاً حاسماً في كسب القبول الدولي...
أمير الدعمي*
تطرح مسألة تكليف شخصية مثل السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة تساؤلات معقدة تتجاوز الإطار المحلي لتلامس حسابات إقليمية ودولية دقيقة. ففي ظل بيئة داخلية مضطربة، تتشابك فيها التوازنات السياسية والطائفية، ومع تصاعد التوترات في الإقليم، يصبح أي مرشح لرئاسة الحكومة في العراق مطالباً بتقديم رؤية متماسكة تجمع بين الواقعية السياسية والقدرة على بناء الثقة.
أول ما يُنتظر من الزيدي هو القدرة على تحقيق حد أدنى من التوافق الداخلي. فمن دون هذا التوافق، لن يكون لأي دعم خارجي قيمة حقيقية. ويتطلب ذلك خطاباً وطنياً جامعاً يتجاوز الانقسامات التقليدية، إلى جانب خطوات عملية لطمأنة القوى السياسية المختلفة، سواء من خلال توزيع عادل للسلطة أو عبر برنامج إصلاحي واضح يعالج القضايا الملحة مثل الفساد، والبطالة، وضعف الخدمات.
ما المطلوب من الزيدي عربياً ودولياً؟
على الصعيد العربي، يُتوقع أن يظهر الزيدي انفتاحاً متوازناً يعيد بناء جسور الثقة مع محيطه، دون الانجرار إلى محاور متصارعة. فالدول العربية تنظر عادة إلى استقرار الداخل كشرط أساسي لأي تعاون، وبالتالي فإن نجاحه في فرض الاستقرار سيكون مفتاحاً لكسب الدعم العربي، سياسياً واقتصادياً.
أما دولياً، فإن القبول يرتبط بمدى التزام الحكومة المرتقبة بمبادئ الحوكمة الرشيدة، واحترام الاتفاقيات الدولية، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار. كما أن القدرة على إدارة العلاقات مع القوى الكبرى بمرونة وواقعية، دون التفريط في السيادة الوطنية، تمثل عاملاً حاسماً في كسب هذا القبول، لكن التحدي الأكبر قد يكون الشروط الأميركية التي تمثل تحدياً حقيقياً، خصوصاً أنها تمس ملفات حساسة متمثلة بوجود الفصائل و الحشد الشعبي وملف تهريب الدولار والعلاقة مع إيران في ظل الظرف الإقليمي الراهن وعلاقة بغداد مع أربيل. كل هذه الملفات تحتاج إلى دراسة وحنكة سياسية تستوجب وجود فريق سياسي مؤثر لا يستفز الآخر بقدر قدرته على الإقناع، وهي ملفات أجّلت سابقاً لحساسيتها واليوم حان وقت تنفيذها بحكم الظرف الدولي والاقليمي في المنطقة.
حسابات الزيدي بين الداخل والخارج
غير أن التحدي الأكبر يكمن كذلك في التوفيق بين هذه المستويات المختلفة. فإرضاء الداخل قد يتعارض أحياناً مع متطلبات الخارج، والعكس صحيح. لذلك، يحتاج الزيدي إلى مهارة سياسية عالية تمكّنه من المناورة ضمن هامش ضيق، مع الحفاظ على وضوح الرؤية وثبات الأهداف، وحتماً لن يكون الوقت مفتوحاً لتنفيذ هذه الملفات على أرض الواقع!
في المحصلة، فإن نجاح الزيدي لا يعتمد فقط على شخصه، بل على قدرته على تشكيل فريق حكومي متجانس، ووضع برنامج قابل للتنفيذ، وإدارة التوازنات بحكمة. وفي ظل التعقيدات الراهنة، فإن أي خطوة غير محسوبة قد تعمّق الأزمات بدلاً من حلها، ما يجعل مهمة رئاسة الحكومة واحدة من أصعب المهام في هذه المرحلة.
*كاتب وحقوقي عراقي
نبض