من هي "حركة أصحاب اليمين الإسلامية"؟
تحوّلت "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" خلال أشهر قليلة من اسم مجهول ظهر على تطبيق "تيليغرام" إلى محور تحقيقات أمنية وقضائية في أوروبا والولايات المتحدة، قبل أن تدخل رسمياً في قلب المواجهة الديبلوماسية بين الغرب وإيران مع صدور بيان مشترك عن 22 دولة اتهم أجهزة إيرانية بالضلوع في أنشطة عابرة للحدود وربط بعضها بالحركة.
ورغم كثافة التغطية الإعلامية التي حظيت بها، لا تزال طبيعة الحركة الحقيقية موضع نقاش بين المحققين والجهات الأمنية. فبينما تقدم نفسها باعتبارها تنظيماً جديداً نشأ رداً على الحرب ضد إيران، تتعامل الولايات المتحدة معها على أنها واجهة استخدمت لتنفيذ عمليات مرتبطة بشبكات موالية لطهران، فيما تواصل الأجهزة الأوروبية التحقيق في بنيتها الفعلية وعلاقاتها الخارجية.
النشأة والخطاب الأول
بدأ اسم الحركة بالظهور خلال آذار/مارس 2026، بعد أسابيع من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الواسع على إيران في 28 شباط/فبراير من العام نفسه.
ومنذ بياناتها الأولى، ربطت الحركة وجودها بهذه الحرب، وقدمت نفسها باعتبارها جزءاً من "محور المقاومة" الساعي إلى الرد على الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما.
واختارت الجماعة اسماً مستمداً من التعبير القرآني "أصحاب اليمين"، في إشارة إلى الصالحين أو أهل النجاة، وهو ما منح خطابها بعداً دينياً وعقائدياً واضحاً. كما ركزت رسائلها الدعائية على فكرة الانتقام للحرب ضد إيران، معتبرة أن المواجهة لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل يمكن أن تمتد إلى أي مكان توجد فيه مصالح مرتبطة بخصوم طهران.
وخلافاً للتنظيمات التقليدية، لم تعلن الحركة عن قيادة معروفة أو هيكل تنظيمي واضح أو مناطق نفوذ جغرافية محددة، بل ظهرت أساساً عبر بيانات إلكترونية ومقاطع مصورة تتبنى هجمات متفرقة في أوروبا، الأمر الذي أثار مبكراً تساؤلات بشأن طبيعتها وقدراتها الفعلية.
الرواية الأميركية: واجهة لـ"كتائب حزب الله"
يشكّل ملف وزارة العدل الأميركية أبرز مصدر رسمي تناول الحركة بالتفصيل حتى الآن.
ففي أيار/مايو 2026، أعلنت السلطات الأميركية توقيف العراقي محمد باقر الساعدي، الذي وصفته بأنه قيادي بارز في "كتائب حزب الله" العراقية ومرتبط بالحرس الثوري الإيراني و"فيلق القدس".
واتهمت وزارة العدل الساعدي بالمشاركة في التخطيط والتنسيق والترويج لسلسلة هجمات ومحاولات هجمات استهدفت أهدافاً في أوروبا والولايات المتحدة، وبإدارة جزء من النشاط الإعلامي والدعائي للحركة في إطار ما وصفه هو نفسه بـ"الحرب النفسية" التي يشنها "محور المقاومة".
وتستند هذه الاتهامات، بحسب الوثائق القضائية، إلى اتصالات ومواد إلكترونية قالت السلطات الأميركية إنها تثبت تنسيقه مع أعضاء في "كتائب حزب الله" بشأن نشر بيانات الحركة ومقاطع الفيديو الخاصة بالهجمات.
لكن النقطة الأبرز في الملف تتمثل في أن وزارة العدل الأميركية لا تعتبر "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" تنظيماً مستقلاً، بل تصفها بأنها "واجهة" استخدمتها "كتائب حزب الله" العراقية وتنظيمات أخرى مصنفة إرهابية من الولايات المتحدة لتنفيذ عمليات ونشاطات دعائية تحت اسم جديد.
وتذهب الرواية الأميركية إلى أن إنشاء الحركة جاء في إطار محاولة توفير غطاء عملياتي وإعلامي يسمح بتنفيذ هجمات خارج الشرق الأوسط مع الإبقاء على مساحة من الغموض حيال الجهة التي تقف خلفها.
مع ذلك، تبقى هذه الاستنتاجات جزءاً من ملف الادعاء الأميركي، إذ دفع الساعدي ببراءته أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك، ولم تصدر بعد أحكام نهائية تثبت الاتهامات أو تنفيها.

التسلسل الزمني للهجمات
ارتبط اسم الحركة بسلسلة هجمات ومحاولات هجمات شهدتها عدة دول أوروبية خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026.
في 9 آذار/مارس، وقع هجوم بمواد متفجرة قرب كنيس يهودي في مدينة لييج البلجيكية.
وبعد ذلك بأيام، استهدفت عبوة ناسفة مدرسة يهودية في أمستردام، قبل أن يتعرض مبنى "بنك نيويورك ميلون" في المدينة نفسها لهجوم آخر في 15 آذار/مارس.
وفي 23 آذار/مارس، أُحرقت 4 سيارات إسعاف تابعة لمنظمة "هتسالا" اليهودية في حي غولدرز غرين في لندن، بينما شهدت مدينة أنتويرب البلجيكية هجوماً مماثلاً استهدف سيارة في حي يهودي.
وفي 28 آذار/مارس، أعلنت السلطات الفرنسية إحباط محاولة لاستهداف مبنى "بنك أوف أميركا" في باريس.
وخلال نيسان/أبريل، توسعت لائحة الأهداف لتشمل مؤسسات وجمعيات مرتبطة بإسرائيل أو بالجاليات اليهودية في بريطانيا وهولندا.
وفي 3 نيسان/أبريل، سُجلت محاولة لاستهداف منظمة مؤيدة لإسرائيل في مدينة نييكرك الهولندية.
وفي 16 نيسان/أبريل، أعلنت الحركة أنها استهدفت السفارة الإسرائيلية في لندن بطائرتين مسيرتين، قبل أن تعلن السلطات البريطانية العثور على بقايا طائرة من دون طيار ومواد تبين أنها غير خطرة.
وفي 17 و18 نيسان/أبريل، تعرضت جمعية يهودية وكنيس في لندن لعمليات حرق متعمدة.
أما في 29 نيسان/أبريل، فقد تعرض رجلان يهوديان للطعن في لندن في حادثة تبنتها الحركة ضمن دعايتها الإعلامية.
وتقول السلطات الأميركية إن هذه العمليات تمثل جزءاً من نحو 18 إلى 20 هجوماً ومحاولة هجوم نُسبت إلى الحركة خلال تلك الفترة.
واجهة أم شبكة عمليات؟
رغم الرواية الأميركية المفصلة، لم تصل التحقيقات الأوروبية إلى موقف موحد ونهائي بشأن طبيعة الحركة.
فبعض التقديرات الأمنية تتعامل معها باعتبارها شبكة فضفاضة تعتمد على أفراد محليين أو مجرمين مأجورين لتنفيذ عمليات منخفضة الكلفة وعالية التأثير الإعلامي، بينما تنظر تقديرات أخرى إليها باعتبارها اسماً عملياتياً يستخدم لإخفاء نشاط جهات أكثر تنظيماً.
ويعزز هذا الجدل غياب أي بنية تنظيمية معلنة للحركة، وعدم ظهور قيادة معروفة أو متحدثين رسميين أو هيكل تنظيمي يمكن تتبعه على غرار الجماعات المسلحة التقليدية.
كما أن انتشار العمليات في أكثر من دولة أوروبية خلال فترة زمنية قصيرة دفع بعض الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت الحركة تمتلك وجوداً تنظيمياً مستقلاً بالفعل، أم أنها تمثل إطاراً دعائياً لتبني عمليات تنفذها شبكات مختلفة تحت عنوان واحد.
من التحقيقات الأوروبية إلى بيان الـ22 دولة
بقيت قضية الحركة طوال أسابيع ضمن إطار التحقيقات الأمنية والقضائية، قبل أن تتحول إلى ملف سياسي وديبلوماسي أوسع.
ففي 10 حزيران/يونيو 2026، أصدرت 22 دولة، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا، بياناً مشتركاً اتهم أجهزة إيرانية بالضلوع في أنشطة عابرة للحدود تشمل القتل والخطف والترهيب واستهداف معارضين ومؤسسات يهودية وإسرائيلية في أوروبا وأميركا الشمالية.
وربط البيان بين هذه الأنشطة و"حركة أصحاب اليمين الإسلامية"، معتبراً أن الهجمات المنسوبة إليها تندرج ضمن نمط أوسع من العمليات التي تنسبها الدول الموقعة إلى جهات مرتبطة بإيران.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه نقل ملف الحركة من مستوى التحقيقات المحلية المتفرقة إلى مستوى اتهام دولي جماعي، ما جعلها جزءاً من الجدل المتصاعد بشأن طبيعة النشاط الإيراني خارج حدوده.
أما طهران، فتنفي بصورة متكررة الاتهامات الغربية المتعلقة بإدارة أو دعم عمليات مماثلة في الخارج، وتصفها بأنها "اتهامات سياسية تفتقر إلى الأدلة".
وبين الروايات المتضاربة والاتهامات المتبادلة، تبقى "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" واحدة من أكثر الجماعات الغامضة التي برزت منذ اندلاع الحرب الإقليمية في عام 2026، مع استمرار الجدل حول طبيعتها الحقيقية والجهات التي تقف وراءها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الأربعاء 10 حزيران/ يونيو 2026
نبض