تكنولوجيا
28-09-2026 | 14:38
في اليوم الدولي للترجمة: حين يصبح المترجم شريكاً في بناء الذكاء الاصطناعي
الرهان لا يقتصر على تعليم خبراء اللغة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. المطلوب أن يفهموا كيف تعمل هذه الأدوات، وكيف تُبنى بياناتها، وكيف يُختبر أداؤها، وأن يمتلكوا المعرفة التي تتيح لهم المشاركة في تطويرها.
صورة للمشاركين في النقاش.
دبلوم رائد ينقل خبراء اللغة من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى المشاركة في بنائه
لم يعد السؤال، في زمن الذكاء الاصطناعي، ما إذا كانت الآلة قادرة على الترجمة. فالتطور التقني تجاوز هذا السؤال إلى آخر أكثر إلحاحاً: من يبني الأدوات التي تتدخل اليوم في صياغة اللغة وإنتاج المعنى؟ ومن يختبرها ويكشف حدودها وانحيازاتها، ويضمن ألّا تختزل السرعة التقنية ما تحمله الكلمات من فكر وثقافة وتجربة إنسانية؟
هذا هو الرهان الذي اختارت مدرسة الترجمة بيروت (ETIB) في جامعة القديس يوسف أن تواجهه. لا بمقاومة الذكاء الاصطناعي ولا بالاستسلام له، بل بفهمه ومساءلته والمشاركة في بنائه. فاللغة أعمق من أن تُترك للخوارزميات وحدها، والمعنى أدق من أن يُختزل في مخرجات آلية، مهما تطوّرت قدرة الآلة على محاكاته.
لذلك، لم يكن احتفال المدرسة باليوم الدولي للترجمة استعادة لماضي مهنة عريقة بقدر ما كان مناسبة للنظر في مستقبلها. وفي هذا السياق، أطلقت المدرسة "الدبلوم الجامعي في الهندسة اللغوية المطبّقة على المهن اللغوية"، بالتعاون مع كلّيتَي الهندسة والعلوم ومركز الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في الجامعة (CINIA).
يأتي هذا الدبلوم، وهو الأول من نوعه في لبنان، استجابة أكاديمية وعملية للتحوّلات التي تطال الترجمة التحريرية والفورية والتواصل متعدد اللغات. يمتد هذا الدبلوم ستة أشهر ويُقدَّم عن بُعد، باللغتين الإنكليزية والعربية.
غير أنّ الرهان لا يقتصر على تعليم خبراء اللغة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. المطلوب أن يفهموا كيف تعمل هذه الأدوات، وكيف تُبنى بياناتها، وكيف يُختبر أداؤها، وأن يمتلكوا المعرفة التي تتيح لهم المشاركة في تطويرها. عندئذ، لا يبقى الخبير اللغوي مجرّد مستهلكٍ لحلول صُممت بعيداً منه، بل يصبح شريكاً في صنعها، قادراً على مناقشة المهندسين وصنّاع السياسات، وعلى ضمان ملاءمتها للّغات والثقافات والحاجات المهنية التي يعرفها خير معرفة.
وأُعلن عن الدبلوم خلال طاولة مستديرة عُقدت حضورياً وعن بُعد بعنوان "البناء المشترك للذكاء الاصطناعي من أجل المهن اللغوية: من الابتكار التعاوني إلى تكوين المستقبل"، في حضور رئيس الجامعة الأب البروفيسور فرنسوا بوادِك اليسوعي، وأساتذة وطلاب وممثلين عن مؤسسات شريكة دولية.
وتمحورت المداخلات حول فكرة واضحة: ينبغي ألا يُصنع مستقبل الذكاء الاصطناعي بمعزل عن خبراء اللغة. فهؤلاء ليسوا مستخدمي الأدوات المستهدفين في نهاية المسار وحسب، بل هم شركاء قادرون على تحديد الحاجات، وصوغ المتطلبات، واختبار النماذج، وتقويم النتائج وتحسينها.
وذكّرت عميدة كلية اللغات والترجمة، البروفيسورة جينا أبو فاضل سعد، بأن الريادة، منذ تأسيس مدرسة الترجمة بيروت في العام 1980، ليست موقعاً ثابتاً يُكتفى بالحفاظ عليه، بل هي حركة مستمرة واستعداد لما يأتي. واختصرت موقف المدرسة بقولها: "لا نريد أن نخضع للذكاء الاصطناعي، أو أن نخشاه، أو أن ننبهر به بسذاجة. نريد أن نتعلم كيف نفكّر فيه، وكيف نقوّمه، وأحياناً كيف نصمّمه بأنفسنا".
أما مديرة المدرسة، البروفيسورة ماري يزبك، فتوقفت عند الخطابات التي تنبّأت باختفاء المترجمين وانحسار المهن اللغوية. وبدلاً من الاكتفاء بالردّ على هذه التنبؤات، اختارت المدرسة جواباً عملياً: تكوين خبراء يفهمون التكنولوجيا فهماً يسمح لهم بالتأثير في مسارها، بدلاً من الاكتفاء بالتكيّف مع ما تفرضه عليهم.
وتظهر ملامح هذا الخبير الجديد في بنية الدبلوم نفسه. إذ يبدأ المسار بمعالجة اللغات الطبيعية والترجمة الآلية، ثم ينتقل إلى بناء البيانات، وهندسة الأوامر والتعليمات، ودمج النماذج اللغوية الكبيرة وتقويمها ضمن مقاربة تهدف إلى تعزيز القدرات البشرية. ويشمل البرنامج أيضاً هندسة المعرفة والأخلاقيات والنقد التكنولوجيّ والمسؤولية المهنية، وينتهي بمشروع تطبيقيّ تحت إشراف الأساتذة المشاركين في تدريس المقرّرات.
إن الفكرة التي تحكم هذا المسار بسيطة وحاسمة: التكنولوجيا أداة لتعزيز القدرات البشرية، وليست بديلاً منها. وقد لخّصت البروفيسورة يزبك فلسفة البرنامج بقولها: "أن نفهم قبل أن نستخدم، وأن نبني قبل أن نستهلك، وأن نقوّم قبل أن نثق، وأن نظّل مسؤولين إنسانياً في كل مرحلة".
ومن كليّة العلوم، أشار البروفيسور زياد فرنسيس إلى الصلة التاريخية بين الترجمة والذكاء الاصطناعي، مشدّداً على ضرورة إشراك المتخصّصين في اللغة منذ المراحل الأولى لتصميم الأدوات. فإذا لم يتدخّل الخبير اللغوي إلّا بعد اكتمال النظام، ينحصر دوره في إصلاح مشاكل كان يمكن تفاديها لو شارك منذ البداية في تحديد الحاجات، وبناء البيانات، ووضع معايير الجودة.
أما التجسيد الأوضح لهذه المقاربة داخل المدرسة فهو منصة «ETIB Interpreter Trainer»، التي تندرج في برنامج الماستر في الترجمة الفورية الجديد وما يوليه من أهمية للتكنولوجيا والبحث العلمي. وبحسب صاحبة الفكرة، رئيسة قسم الترجمة الفورية البروفيسورة لينا صادر فغالي، تطمح المنصة إلى تحقيق ثلاثة أهداف: أولاً تكوين الطلاب وتنمية كفاءتهم التكنولوجية، وثانياً تحويل التحدّيات التقنية، ولا سيما تلك المرتبطة باللغة العربية، إلى مواضيع للبحث، وثالثاً فتح مساحة للابتكار والتجريب والتعاون بين الاختصاصات.
بدأت المنصة فكرة على الورق، ثم تحوّلت إلى مشروع تعاوني بين الكليّات. فقد قدّمت مدرسة الترجمة بيروت خبرتها المهنية والتربوية، وربطَ مركز الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي، بدفع من مديرته وداد وازن جرجي، الحاجات التعليمية بالإمكانات التقنية، فيما وضع معهد الهندسة العالي في بيروت خبراته في خدمة المشروع. وترى وازن جرجي في هذه التجربة نموذجاً لتحوّل رقمي لا يُفرَض على الجامعة من الخارج، بل يُبنى مع الأساتذة والطلاب والخبراء والدوائر الجامعية، وتحميه حوكمة سليمة.
وأوضحت رئيسة قسم هندسة المعلوماتية والاتصالات في المعهد، البروفيسورة شانتال سعد حجار، أن العمل على المنصة دفع المهندسين إلى تجاوز البرمجة المجرّدة وإلى الإصغاء للمستخدمين. وعرض جو حداد ومارك خطار وكيفن خوري وعلي علي، من الدفعة الأولى لمسار الذكاء الاصطناعي المستحدَث في البرنامج الهندسي، وظائف المنصّة والتحدّيات التي واجهتهم أثناء تطويرها، بخاصة في معالجة اللغة العربية، التي لا تخضع بتراكيبها وخصائصها دائماً لمنطق الحلول الجاهزة.
وهنا تحديداً تظهر أهمّية وجود خبراء اللغة داخل عملية التطوير، لا على هامشها. فقد أوضح وسام أنطون، الباحث في مرحلة الدكتوراه لدى ALMaNaCH في معهد Inria في باريس، أن الأنظمة قد تعجز عن رصد الأخطاء الفعلية لدى المتعلّمين الناطقين بالعربية، فتميل إلى "تصحيحها" بدلاً من كشفها وتحليلها. وقد يبدو ذلك تفصيلاً تقنيّاً، لكنه يمسّ وظيفة الأداة نفسها: فإذا أخفَت موضع الضعف بدلاً من تشخيصه ومساعدة الطالب على معالجته، فقدَت جزءاً أساسياً من قيمتها التعليمية.
وفي النهاية، عادت الأداة إلى أيدي مَن صُمّمت من أجلهم. فأكدت المترجمة الفورية والأستاذة في مدرسة الترجمة بيروت غريس أبو خالد أن المنصّة توسّع مساحة المتابعة التربوية من دون أن تحلّ محلّ الأستاذ. فالتغذية الراجعة التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي تبقى مؤشّراً يحتاج إلى قراءة وتقويم، وليست حقيقة مطلقة. وقالت: "لا نريد تكويناً أقلّ، بل تكويناً مختلفاً، وأدوات تُبنى مع مستخدميها".
أما الطالبة كريستيا سليم، فرأت أنّ المنصّة تمنحها استقلالية أكبر في التدريب، وتتيح لها تطبيق ما تتعلّمه في الصف، من دون أن تقطع صلتها بالأساتذة والزملاء.
هنا يكمن التحوّل الحقيقي. حين يفهم المترجم آليات عمل الذكاء الاصطناعي، يكفّ عن النظر إليه على أنّه قوّة تقنية مجهولة عليه أن يخشاها أو يتكيّف معها، بل تصبح التكنولوجيا نفسها موضوعاً للمعرفة والنقد والتجريب. ولا يبقى المترجم، بدوره، مستهلكاً لما تنتجه الشركات التقنية، بل يتقدّم بصفته خبيراً في اللغة والثقافة وآليات إنتاج المعنى، قادراً على مساءلة الأداة والمساهمة في جعلها أدقّ وأكثر إنصافاً وملاءمةً لحاجات الناس.
من خلال هذا الدبلوم، تراهن مدرسة الترجمة بيروت على جيل يجمع بين الدقّة اللغوية والفهم التقنيّ والحس الإنسانيّ والوعي النقديّ. جيل لا يقف عند أبواب المستقبل منتظراً ما ستقرره الخوارزميّات بشأن مهنته، بل يدخل إلى ورشة بناء هذا المستقبل ويحجز له مكاناً فيه. ولعل الردّ الأبلغ على الذين يعلنون زوال المهن اللغوية ليس محاولة إقناعهم بأنهم مخطئون، وإنما كما تقول البروفيسورة ماري يزبك، المطلوب هو أن نعمل "على أن نجعلهم مخطئين".
لم يعد السؤال، في زمن الذكاء الاصطناعي، ما إذا كانت الآلة قادرة على الترجمة. فالتطور التقني تجاوز هذا السؤال إلى آخر أكثر إلحاحاً: من يبني الأدوات التي تتدخل اليوم في صياغة اللغة وإنتاج المعنى؟ ومن يختبرها ويكشف حدودها وانحيازاتها، ويضمن ألّا تختزل السرعة التقنية ما تحمله الكلمات من فكر وثقافة وتجربة إنسانية؟
هذا هو الرهان الذي اختارت مدرسة الترجمة بيروت (ETIB) في جامعة القديس يوسف أن تواجهه. لا بمقاومة الذكاء الاصطناعي ولا بالاستسلام له، بل بفهمه ومساءلته والمشاركة في بنائه. فاللغة أعمق من أن تُترك للخوارزميات وحدها، والمعنى أدق من أن يُختزل في مخرجات آلية، مهما تطوّرت قدرة الآلة على محاكاته.
لذلك، لم يكن احتفال المدرسة باليوم الدولي للترجمة استعادة لماضي مهنة عريقة بقدر ما كان مناسبة للنظر في مستقبلها. وفي هذا السياق، أطلقت المدرسة "الدبلوم الجامعي في الهندسة اللغوية المطبّقة على المهن اللغوية"، بالتعاون مع كلّيتَي الهندسة والعلوم ومركز الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في الجامعة (CINIA).
يأتي هذا الدبلوم، وهو الأول من نوعه في لبنان، استجابة أكاديمية وعملية للتحوّلات التي تطال الترجمة التحريرية والفورية والتواصل متعدد اللغات. يمتد هذا الدبلوم ستة أشهر ويُقدَّم عن بُعد، باللغتين الإنكليزية والعربية.
غير أنّ الرهان لا يقتصر على تعليم خبراء اللغة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. المطلوب أن يفهموا كيف تعمل هذه الأدوات، وكيف تُبنى بياناتها، وكيف يُختبر أداؤها، وأن يمتلكوا المعرفة التي تتيح لهم المشاركة في تطويرها. عندئذ، لا يبقى الخبير اللغوي مجرّد مستهلكٍ لحلول صُممت بعيداً منه، بل يصبح شريكاً في صنعها، قادراً على مناقشة المهندسين وصنّاع السياسات، وعلى ضمان ملاءمتها للّغات والثقافات والحاجات المهنية التي يعرفها خير معرفة.
وأُعلن عن الدبلوم خلال طاولة مستديرة عُقدت حضورياً وعن بُعد بعنوان "البناء المشترك للذكاء الاصطناعي من أجل المهن اللغوية: من الابتكار التعاوني إلى تكوين المستقبل"، في حضور رئيس الجامعة الأب البروفيسور فرنسوا بوادِك اليسوعي، وأساتذة وطلاب وممثلين عن مؤسسات شريكة دولية.
وتمحورت المداخلات حول فكرة واضحة: ينبغي ألا يُصنع مستقبل الذكاء الاصطناعي بمعزل عن خبراء اللغة. فهؤلاء ليسوا مستخدمي الأدوات المستهدفين في نهاية المسار وحسب، بل هم شركاء قادرون على تحديد الحاجات، وصوغ المتطلبات، واختبار النماذج، وتقويم النتائج وتحسينها.
وذكّرت عميدة كلية اللغات والترجمة، البروفيسورة جينا أبو فاضل سعد، بأن الريادة، منذ تأسيس مدرسة الترجمة بيروت في العام 1980، ليست موقعاً ثابتاً يُكتفى بالحفاظ عليه، بل هي حركة مستمرة واستعداد لما يأتي. واختصرت موقف المدرسة بقولها: "لا نريد أن نخضع للذكاء الاصطناعي، أو أن نخشاه، أو أن ننبهر به بسذاجة. نريد أن نتعلم كيف نفكّر فيه، وكيف نقوّمه، وأحياناً كيف نصمّمه بأنفسنا".
أما مديرة المدرسة، البروفيسورة ماري يزبك، فتوقفت عند الخطابات التي تنبّأت باختفاء المترجمين وانحسار المهن اللغوية. وبدلاً من الاكتفاء بالردّ على هذه التنبؤات، اختارت المدرسة جواباً عملياً: تكوين خبراء يفهمون التكنولوجيا فهماً يسمح لهم بالتأثير في مسارها، بدلاً من الاكتفاء بالتكيّف مع ما تفرضه عليهم.
وتظهر ملامح هذا الخبير الجديد في بنية الدبلوم نفسه. إذ يبدأ المسار بمعالجة اللغات الطبيعية والترجمة الآلية، ثم ينتقل إلى بناء البيانات، وهندسة الأوامر والتعليمات، ودمج النماذج اللغوية الكبيرة وتقويمها ضمن مقاربة تهدف إلى تعزيز القدرات البشرية. ويشمل البرنامج أيضاً هندسة المعرفة والأخلاقيات والنقد التكنولوجيّ والمسؤولية المهنية، وينتهي بمشروع تطبيقيّ تحت إشراف الأساتذة المشاركين في تدريس المقرّرات.
إن الفكرة التي تحكم هذا المسار بسيطة وحاسمة: التكنولوجيا أداة لتعزيز القدرات البشرية، وليست بديلاً منها. وقد لخّصت البروفيسورة يزبك فلسفة البرنامج بقولها: "أن نفهم قبل أن نستخدم، وأن نبني قبل أن نستهلك، وأن نقوّم قبل أن نثق، وأن نظّل مسؤولين إنسانياً في كل مرحلة".
ومن كليّة العلوم، أشار البروفيسور زياد فرنسيس إلى الصلة التاريخية بين الترجمة والذكاء الاصطناعي، مشدّداً على ضرورة إشراك المتخصّصين في اللغة منذ المراحل الأولى لتصميم الأدوات. فإذا لم يتدخّل الخبير اللغوي إلّا بعد اكتمال النظام، ينحصر دوره في إصلاح مشاكل كان يمكن تفاديها لو شارك منذ البداية في تحديد الحاجات، وبناء البيانات، ووضع معايير الجودة.
أما التجسيد الأوضح لهذه المقاربة داخل المدرسة فهو منصة «ETIB Interpreter Trainer»، التي تندرج في برنامج الماستر في الترجمة الفورية الجديد وما يوليه من أهمية للتكنولوجيا والبحث العلمي. وبحسب صاحبة الفكرة، رئيسة قسم الترجمة الفورية البروفيسورة لينا صادر فغالي، تطمح المنصة إلى تحقيق ثلاثة أهداف: أولاً تكوين الطلاب وتنمية كفاءتهم التكنولوجية، وثانياً تحويل التحدّيات التقنية، ولا سيما تلك المرتبطة باللغة العربية، إلى مواضيع للبحث، وثالثاً فتح مساحة للابتكار والتجريب والتعاون بين الاختصاصات.
بدأت المنصة فكرة على الورق، ثم تحوّلت إلى مشروع تعاوني بين الكليّات. فقد قدّمت مدرسة الترجمة بيروت خبرتها المهنية والتربوية، وربطَ مركز الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي، بدفع من مديرته وداد وازن جرجي، الحاجات التعليمية بالإمكانات التقنية، فيما وضع معهد الهندسة العالي في بيروت خبراته في خدمة المشروع. وترى وازن جرجي في هذه التجربة نموذجاً لتحوّل رقمي لا يُفرَض على الجامعة من الخارج، بل يُبنى مع الأساتذة والطلاب والخبراء والدوائر الجامعية، وتحميه حوكمة سليمة.
وأوضحت رئيسة قسم هندسة المعلوماتية والاتصالات في المعهد، البروفيسورة شانتال سعد حجار، أن العمل على المنصة دفع المهندسين إلى تجاوز البرمجة المجرّدة وإلى الإصغاء للمستخدمين. وعرض جو حداد ومارك خطار وكيفن خوري وعلي علي، من الدفعة الأولى لمسار الذكاء الاصطناعي المستحدَث في البرنامج الهندسي، وظائف المنصّة والتحدّيات التي واجهتهم أثناء تطويرها، بخاصة في معالجة اللغة العربية، التي لا تخضع بتراكيبها وخصائصها دائماً لمنطق الحلول الجاهزة.
وهنا تحديداً تظهر أهمّية وجود خبراء اللغة داخل عملية التطوير، لا على هامشها. فقد أوضح وسام أنطون، الباحث في مرحلة الدكتوراه لدى ALMaNaCH في معهد Inria في باريس، أن الأنظمة قد تعجز عن رصد الأخطاء الفعلية لدى المتعلّمين الناطقين بالعربية، فتميل إلى "تصحيحها" بدلاً من كشفها وتحليلها. وقد يبدو ذلك تفصيلاً تقنيّاً، لكنه يمسّ وظيفة الأداة نفسها: فإذا أخفَت موضع الضعف بدلاً من تشخيصه ومساعدة الطالب على معالجته، فقدَت جزءاً أساسياً من قيمتها التعليمية.
وفي النهاية، عادت الأداة إلى أيدي مَن صُمّمت من أجلهم. فأكدت المترجمة الفورية والأستاذة في مدرسة الترجمة بيروت غريس أبو خالد أن المنصّة توسّع مساحة المتابعة التربوية من دون أن تحلّ محلّ الأستاذ. فالتغذية الراجعة التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي تبقى مؤشّراً يحتاج إلى قراءة وتقويم، وليست حقيقة مطلقة. وقالت: "لا نريد تكويناً أقلّ، بل تكويناً مختلفاً، وأدوات تُبنى مع مستخدميها".
أما الطالبة كريستيا سليم، فرأت أنّ المنصّة تمنحها استقلالية أكبر في التدريب، وتتيح لها تطبيق ما تتعلّمه في الصف، من دون أن تقطع صلتها بالأساتذة والزملاء.
هنا يكمن التحوّل الحقيقي. حين يفهم المترجم آليات عمل الذكاء الاصطناعي، يكفّ عن النظر إليه على أنّه قوّة تقنية مجهولة عليه أن يخشاها أو يتكيّف معها، بل تصبح التكنولوجيا نفسها موضوعاً للمعرفة والنقد والتجريب. ولا يبقى المترجم، بدوره، مستهلكاً لما تنتجه الشركات التقنية، بل يتقدّم بصفته خبيراً في اللغة والثقافة وآليات إنتاج المعنى، قادراً على مساءلة الأداة والمساهمة في جعلها أدقّ وأكثر إنصافاً وملاءمةً لحاجات الناس.
من خلال هذا الدبلوم، تراهن مدرسة الترجمة بيروت على جيل يجمع بين الدقّة اللغوية والفهم التقنيّ والحس الإنسانيّ والوعي النقديّ. جيل لا يقف عند أبواب المستقبل منتظراً ما ستقرره الخوارزميّات بشأن مهنته، بل يدخل إلى ورشة بناء هذا المستقبل ويحجز له مكاناً فيه. ولعل الردّ الأبلغ على الذين يعلنون زوال المهن اللغوية ليس محاولة إقناعهم بأنهم مخطئون، وإنما كما تقول البروفيسورة ماري يزبك، المطلوب هو أن نعمل "على أن نجعلهم مخطئين".
الأكثر قراءة
لبنان
9/27/2026 1:27:00 PM
في مهلة أقصاها 24 شهراً، من المتوقع أن يكون المشروع العصري قد اكتمل، والذي وُصف في حفل إطلاقه بأنه الأكثر تطوراً وعصرنة في العاصمة.
لبنان
9/27/2026 9:30:00 AM
دخل القيادي في "حزب الله" وفيق صفا شخصياً على خط الملف، بصفته الصديق الشخصي المقرب جداً لوالد الزوجة الراحل، فأعيد الطفل إلى بعلبك، وحُرم والده منه.
فن ومشاهير
9/25/2026 7:24:00 PM
"هذا لك. بدايتك، أهلك، قصتك. أهلاً بك في العالم، يا طفلنا الجميل. لا فكرة لديك عن مقدار الحب الذي تحظى به منذ اللحظة الأولى".
فن ومشاهير
9/27/2026 1:11:00 PM
"كل عام وأنت أحلى أم وأحن بنت".
نبض