التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي: أي إنسان نريد أن نصبح؟

التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي: أي إنسان نريد أن نصبح؟

الذكاء الاصطناعي يفرض سؤالاً جديداً على التعليم: كيف تتوسع قدرات الإنسان من دون أن تتراجع مسؤوليته وحكمه وقيمه؟
التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي: أي إنسان نريد أن نصبح؟
الإنسان والذكاء الاصطناعي في قلب مستقبل التعليم (الصورة :مواقع)
Smaller Bigger

*د.أنور كوثراني

ربما يتمثل أحد أكبر الأخطاء الفكرية التي يمكن الوقوع فيها في عصر الذكاء الاصطناعي في محاولة إثبات قيمة الإنسان من خلال البحث المستمر عمّا تعجز الآلة عن القيام به. فحدود القدرة التقنية ليست ثابتة، وما يبدو اليوم نشاطاً بشرياً يصعب على الآلة أداؤه قد يصبح غداً جزءاً من قدراتها المتنامية.
لذلك، فإن السؤال الأكثر عمقاً لا ينبغي أن يكون: ما الذي سيبقى للإنسان لأن الآلة لا تستطيع فعله؟ بل: ما الذي يجب ألا يتخلى الإنسان عن مسؤوليته عنه، مهما اتسعت قدرات الآلة وتطورت إمكاناتها؟

 

لقد جعلت الأدوات الرقمية والأنظمة التوليدية الإجابات أكثر وفرة والوصول إلى المعرفة أسرع من أي وقت مضى. لكن وفرة الإجابات لا تعني بالضرورة وفرة الفهم. كما أن سهولة الوصول إلى المعرفة لا تفقدها قيمتها، بل تنقلها من موقع النهاية التي يسعى إليها التعلم إلى نقطة البداية التي ينطلق منها التفكير.

 

ومن هنا يمكن إعادة تصور العلاقة التعليمية مع الذكاء الاصطناعي من خلال دورة بسيطة: فكّر ← استخدم ← تحقّق ← دافع. أي أن يبدأ الطالب بالتفكير، ويستفيد من الأداة، ويتحقق من مخرجاتها، ثم يكون قادراً على الدفاع عن النتيجة وتحمل المسؤولية عنها.

 

من الذكاء إلى الذكاء الإنساني


لكن المعرفة والتحليل والتحقق لا تكفي وحدها لبناء الإنسان الذي تحتاج إليه المجتمعات. يمكن للإنسان أن يكون شديد الذكاء ويستخدم ذكاءه في غاية خاطئة، وأن يكون مبدعاً ويوظف إبداعه في ما يضر الآخرين، وأن يتوصل إلى قرارٍ منطقي في نظام غير عادل، وأن يمتلك معرفةً واسعة من دون أن يمتلك الحكمة اللازمة لاستخدامها.

 

وهنا يظهر الفارق بين القدرة على التفكير والقدرة على توجيه هذا التفكير نحو غاية إنسانية مسؤولة. ومن هذا الفارق يمكن أن ينطلق مفهوم أوسع أسميه "التربية من أجل الذكاء الإنساني".

 

ولا يُقصد بـ"الذكاء الإنساني" هنا تقديم اختبار نفسي جديد أو نظرية سيكومترية تنافس نظريات الذكاء المعروفة، ولا تصنيفاً نهائياً للقدرات البشرية. فالذكاء مفهوم ناقشته مدارس ونظريات عديدة ولم يُختزل علمياً في تصورٍ واحد جامع.

 

المقصود هو إطار تربوي يسأل: ما القدرات والقيم وأنماط التفكير والحكم والمسؤولية التي ينبغي تنميتها لدى الإنسان حتى يتمكن من استخدام المعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بطريقة توسّع قدرته من دون أن تنتقص من إنسانيته؟

 

لقد أعاد هوارد غاردنر منذ الثمانينيات فتح النقاش حول اختزال القدرات الإنسانية في نوع واحد من الذكاء، وميّز روبرت ستيرنبرغ بين قدرات تحليلية وإبداعية وعملية قبل أن يربط في أعماله اللاحقة الذكاء بالحكمة، فيما وسّع بيتر سالوفي وجون ماير النقاش من خلال مفهوم الذكاء العاطفي.

 

وبصرف النظر عن الاختلافات العلمية والمنهجية حول هذه التصورات، فإن أهميتها تكمن في انتقال السؤال تدريجاً من: كم يبلغ ذكاء الإنسان؟ إلى: كيف يستخدم الإنسان قدراته، وفي أي سياق، ولأي غاية؟ واليوم، مع صعود الذكاء الاصطناعي، يظهر سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما تستطيع الآلة مساعدة الإنسان في جانب متزايد من هذه القدرات؟

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي  (جيميناي)
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي (جيميناي)

 

الإنسان وحدود الآلة


من الخطأ بناء قيمة الإنسان على آخر قدرة لم تصل إليها الآلة بعد. فالآلة أصبحت تكتب وتحلل وتقترح وتترجم وتصمم، وقد تتسع قدراتها أكثر مستقبلاً. وإذا ربطنا قيمة الإنسان دائماً بما "لا تستطيع الآلة فعله بعد"، فسندخل سباقاً تتحرك حدوده كلما ظهرت قدرة تقنية جديدة.

السؤال الأقوى إذن ليس: ما الذي لا تستطيع الآلة فعله؟ بل: ما الذي لا ينبغي للإنسان أن يتخلى عن مسؤوليته عنه؟

قد تساعد الخوارزمية في تحليل القرار، لكن الإنسان والمؤسسة يظلان مسؤولين عن اعتماده. ويمكن للآلة إنتاج لغة تبدو متعاطفة، لكن العلاقة التربوية ورعاية المتعلم لا يمكن اختزالهما بإنتاج كلمات مناسبة. ويمكنها اقتراح حلول إبداعية، لكن الإنسان هو الذي يحدد الغاية التي ينبغي لهذا الإبداع أن يخدمها.

 

كما تستطيع الآلة جمع كميات هائلة من المعلومات والأدلة، لكن السؤال عمّا إذا كانت الأدلة كافية، ومن قد يتضرر، وما الذي يُعد عادلاً، وما حدود المخاطر المقبولة، وما إذا كان ينبغي تنفيذ القرار أصلًا، يظل سؤالاً إنسانياً. وهنا يتحول الذكاء من مجرد قدرة إلى مسؤولية.

 

الذكاء يسأل: هل نستطيع؟ والحكمة تسأل: هل ينبغي؟
يستطيع الذكاء أن يسأل: هل نستطيع؟ لكن الحكمة تضيف: هل ينبغي؟ وقد يبحث الذكاء عن الحل الأكثر كفاءة، بينما تفرض الحكمة أسئلة أخرى: من سيستفيد؟ من سيتحمل التكلفة؟ ما النتائج غير المقصودة؟ هل القرار عادل؟ وهل هناك بديل أفضل؟

 

لذلك، لا يمكن أن تقتصر التربية في عصر الذكاء الاصطناعي على تنمية المهارات التقنية أو العقلية منفردة. إنها مطالبة ببناء إنسان يستطيع الجمع بين المعرفة، والتفكير، وما وراء المعرفة، والإبداع، وفهم الآخر، والقيم، والحكم والمسؤولية.

 

وهذه العناصر ليست "أنواعاً جديدة من الذكاء" بالمعنى السيكومتري، بل مكونات ضرورية لإنسان قادر على استخدام القوة الجديدة التي تتيحها التكنولوجيا بطريقة مسؤولة.

 

الإنسان مسؤول... لكنه ليس معصوماً


وضع الإنسان في مركز القرار لا يعني افتراض أن الحكم البشري صحيح دائماً. فالإنسان يخطئ، ويتحيز، ويسيء الحكم، وقد يستخدم التكنولوجيا بصورة غير مسؤولة. لذلك، فإن الدعوة إلى مركزية الإنسان لا تعني عصمة الإنسان، بل تعني ألا تختبئ المسؤولية خلف الخوارزمية، وأن يظل القرار البشري نفسه خاضعاً للمعرفة والأخلاق والمراجعة والمساءلة.

 

ومن هذا المنظور، لا يعفي الذكاء الاصطناعي المؤسسات التعليمية من مهمة بناء الإنسان الأفضل؛ بل يجعل هذه المهمة أكثر إلحاحاً، لأن ازدياد قدرة الأدوات يرفع مستوى المسؤولية المطلوبة ممن يستخدمونها ويتخذون القرارات اعتماداً عليها.

 

الأخلاق ليست إضافة تأتي بعد التكنولوجيا


كان أحد الأسئلة الأساسية في عصر المعرفة: ماذا يعرف الإنسان؟ ثم أصبح في عصر التفكير: ماذا يفعل الإنسان بما يعرفه؟ أما عصر الذكاء الاصطناعي فيضيف سؤالاً ثالثاً: ماذا يريد الإنسان أن يفعل بما يعرفه وبالقدرة الجديدة التي تمنحه إياها الآلة؟ وهنا تبدأ المسألة الأخلاقية.

فالذكاء الاصطناعي يدخل التعليم محمّلاً بقضايا البيانات والخصوصية والإنصاف والنزاهة الأكاديمية والتقييم والتحيز والشفافية والوصول إلى الفرص، إضافة إلى إعادة تعريف بعض أدوار المعلم والمتعلم.

 

لذلك، لا يجوز أن تصبح الأخلاقيات فقرة جانبية نضيفها بعد اختيار الأداة أو شرائها، بل يجب أن تكون جزءاً من التفكير الذي يسبق استخدامها. والقاعدة بسيطة: ليس كل ما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله ينبغي أن نطلب منه أن يفعله.

 

وهذا الاتجاه يتقاطع مع ما تطرحه اليونسكو في توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وفي إرشاداتها حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، التي تضع الكرامة الإنسانية، والإنصاف، والشفافية، والإشراف البشري، وحماية البيانات ضمن مرتكزات الاستخدام المسؤول.
العدالة الرقمية: من يستطيع الوصول؟

 

لا يمكن الحديث عن "ذكاء إنساني" مع تجاهل سؤال العدالة. فإذا أدى التحول الرقمي إلى توسيع المسافة بين طالب يمتلك الجهاز والاتصال والكفاية الرقمية وآخر يفتقر إليها، أو بين مؤسسة تستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وأخرى تعجز عن مواكبة التحول، فإن التكنولوجيا قد تصبح عاملًا جديدًا لإنتاج عدم التكافؤ.

 

وتشير بيانات تقرير الرصد العالمي للتعليم لليونسكو إلى أن نحو 40% فقط من المدارس الابتدائية و50% من مدارس المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي عالمياً متصلة بالإنترنت، ما يوضح أن الحديث عن مستقبلٍ تعليمي قائم على الذكاء الاصطناعي لا يمكن فصله عن واقع البنية التحتية وإتاحة الفرص.

 

لذلك، لا تُقاس عدالة استراتيجية الذكاء الاصطناعي بمدى خلو الخوارزمية من التحيز فحسب، بل أيضاً بالوصول والشمول وسهولة الاستخدام والدعم ومراعاة احتياجات المتعلمين وفوارقهم. فالتكنولوجيا التي توسع قدرات بعض الناس بينما تغلق الفرص أمام آخرين لا يمكن اعتبارها تحولاً إنسانياً مكتملاً.

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي  (شات جي بي تي)
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)

 

ليس كل ما هو تقني أفضل


الاستخدام المسؤول لا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي في كل نشاط. فكل استخدام جديد للتكنولوجيا ليس بالضرورة استخداماً أفضل.
قبل استخدام أي أداة ينبغي أن نسأل: هل تضيف قيمة تعليمية حقيقية؟ هل تستحق الموارد المالية والبشرية والتقنية التي تتطلبها؟ وهل جاءت استجابةً لحاجة فعلية، أم لأن التكنولوجيا أصبحت متاحة فحسب؟

 

وهنا يظهر مبدأ الاستخدام المتناسب: استخدم الذكاء الاصطناعي عندما يضيف قيمة واضحة، لا لمجرد إثبات أنك تستخدم الذكاء الاصطناعي.
المعلم: ماذا نفعل بالوقت الذي تعيده إلينا الآلة؟

 

يمكن للذكاء الاصطناعي اليوم مساعدة المعلم في تخطيط الدروس، وتوليد الأسئلة والأمثلة، وتكييف الموارد، وإعداد مسودات التغذية الراجعة، وتحليل بعض البيانات واستكشاف الأفكار. لكن القيمة الكبرى لهذه الأدوات لا ينبغي قياسها بعدد المهمات التي استطاع المعلم تفويضها إلى الآلة، بل بما يفعله بالوقت والقدرة اللذين استعادتهما بفضلها.

 

فإذا وفرت الأداة للمعلم عشرين دقيقة من إعداد نشاط، فإن السؤال التربوي الحقيقي هو: ماذا سيفعل بهذه الدقائق؟ هل سيستخدمها لإنتاج مزيد من الأوراق؟ أم للحوار مع الطلاب؟ لمتابعة المتعثر؟ لتقديم تغذية راجعة أعمق؟ لبناء علاقة أفضل؟ لطرح سؤال أكثر تحدياً؟ أو للتنبه إلى طالب لم يشارك؟

 

القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في التعليم ليست في مقدار العمل البشري الذي يلغيه، وإنما في مقدار العمل الإنساني ذي القيمة الذي يسمح لنا باستعادته.

 

وتكشف نتائج TALIS 2024 التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن متوسط استخدام الذكاء الاصطناعي بين معلمي المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في أنظمة OECD بلغ نحو 36%. وفي المقابل، أفاد ثلاثة من كل أربعة معلمين ممن لم يستخدموه بأنهم يفتقرون إلى المعرفة أو المهارات اللازمة للتدريس باستخدامه.

 

وهذه فجوة شديدة الدلالة: امتلاك الأداة لا يصنع التحول؛ بناء قدرة الإنسان هو الذي يصنعه. ولذلك يصبح المعلم أكثر من مستخدم للتقنية؛ يصبح حارس الغرض التربوي: لماذا نستخدمها؟ ولمن؟ وما الذي ستضيفه؟ وما الذي قد نخسره بسببها؟ وهل أصبح الطالب بعدها أكثر قدرة أم أكثر اعتماداً؟

 

من الذكاء الفردي إلى الذكاء المؤسسي


ولا يكفي أن يمتلك معلم أو طالب وعياً جيداً باستخدام الذكاء الاصطناعي. فالمؤسسة تحتاج إلى مستوى آخر من التفكير.

يمكن أن يكون لديها معلم ممتاز يستخدم الأداة بمسؤولية من دون وجود سياسة واضحة للبيانات. وقد تستخدم منصة متقدمة من دون تقييم مخاطرها. وقد تنظّم جامعة عشرات الورش حول الذكاء الاصطناعي من دون أن تعرف في النهاية ما إذا كان استخدامه قد حسن التعلم أو البحث فعلاً.
وفي مسح عالمي نشرته اليونسكو عام 2025 وشمل 400 استجابة من كراسي اليونسكو وشبكات UNITWIN في 90 دولة، أفادت قرابة ثلثي المؤسسات المشاركة بأنها وضعت توجيهات لاستخدام الذكاء الاصطناعي أو تعمل على تطويرها، فيما أبلغ واحد من كل أربعة مشاركين عن أن مؤسسته واجهت بالفعل قضايا أخلاقية مرتبطة باستخدامه.

 

إنها إشارة واضحة إلى أن القضية تجاوزت الاستخدام الفردي وأصبحت قضية حوكمة مؤسسية. لذلك يجب الانتقال من الاستخدام إلى الاستراتيجية، ومن سؤال: كيف أستخدم الذكاء الاصطناعي؟ إلى سؤال أوسع: كيف نبني نظاماً يستخدمه بمسؤولية ويخلق قيمة قابلة للقياس والتحسين؟

 

إطار استراتيجي مقترح: من الأداة إلى الأثر


وفي محاولة لترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة قابلة للاختبار والتطوير، أقترح هنا إطاراً تطبيقياً بعنوان: AI Strategy Framework for Teachers, Graduate Students & Schools.

ولا أطرحه بصفته نظرية علمية نهائية أو نموذجاً سببياً مثبتاً، بل إطار عملي منظم يمكن للمؤسسات والمعلمين والباحثين استخدامه، واختبار أثره، ومراجعته وتحسينه مع تغير السياق والتكنولوجيا.
يقوم الإطار على ثلاثة أسئلة: WHAT - ماذا نحتاج؟ HOW - كيف ننفذ؟ IMPACT - ما الأثر الذي تحقق؟

ويرتكز على منظومة مترابطة تشمل: اختيار الأدوات المناسبة، والحوكمة والأخلاقيات، وسير العمل المؤسسي، وبناء الأصول والذاكرة المؤسسية، وتنمية القدرات البشرية، ثم قياس الأداء والأثر.

الفكرة ليست تكوين قائمة تقنية، بل الانتقال بالمؤسسة من اختيار الأداة إلى إثبات القيمة التي تحققها. فالاستراتيجية لا تبدأ باسم التطبيق. تبدأ بالمشكلة.

هل نريد تحسين التعلم؟ تعزيز التمايز؟ تحسين التغذية الراجعة؟ دعم البحث؟ تطوير عملية إدارية؟ مساعدة القائد على اتخاذ قرار أفضل؟ تأتي الأداة بعد تحديد الحاجة، لا قبلها.

كما تحتاج المؤسسة إلى ذاكرة تنظيمية: قوالب معتمدة، وسياسات، وبنوك موجهات، ونماذج دروس، وقوائم تحقق، وأمثلة لممارسات ناجحة، حتى لا تبدأ من الصفر كلما تغير شخص أو أداة.

والأهم أن شراء الحسابات لا يصنع تحولاً. التحول يحدث عندما يمتلك المعلم والطالب والباحث والقائد الوعي والكفاية والحكم والثقة اللازمة للاستخدام المسؤول.

 

لا تقيس عدد الاستخدامات... قِس ما تغيّر


يمكن لمؤسسةٍ أن تعلن امتلاكها عشر أدوات، ومئات المستخدمين، وآلاف التفاعلات مع الذكاء الاصطناعي. لكن هذه الأرقام تقيس النشاط، ولا تثبت النجاح.

السؤال الحقيقي هو: هل تحسن التعلم؟ هل أصبحت التغذية الراجعة أفضل؟ هل ارتفعت جودة البحث؟ هل وفر المعلم وقتاً ثم أعاد استثماره تربوياً؟ هل تحسنت العمليات؟ هل استفاد مختلف المتعلمين؟ هل تقلصت الفجوات بدلاً من أن تتسع؟ هل ظلت الخصوصية والنزاهة والدقة محمية؟
علينا الانتقال من قياس استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إثبات قيمة الذكاء الاصطناعي. فالغاية ليست أن تصبح المؤسسة أكثر استخداماً للـAI؛ بل أن تصبح أفضل في التعليم، وأقوى في البحث، وأكثر حكمة في القيادة بفضله.
ومن هنا يقترح الإطار ثلاثة مجالات لصناعة القيمة: TEACH - التعليم، RESEARCH - البحث، LEAD - القيادة.

 

في التعليم، ليست الغاية معلماً ينتج درساً أسرع فقط، بل تعلماً أفضل. وفي البحث، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في استكشاف الأدبيات وتنظيم الأفكار وتحليل بعض البيانات وتطوير المسودات، لكن السرعة لا تعفي الباحث من المنهج والتحقق والأصالة والإفصاح والمسؤولية عن ادعاءاته.

 

أما في القيادة، فتتحول المبادرات الفردية إلى ثقافة مؤسسية، ويصبح السؤال: ماذا نتبنى؟ ماذا نرفض؟ من يملك القرار؟ كيف نحمي المتعلم والعامل؟ كيف نقيس النجاح؟ ومتى نتوقف عن استخدام أداة لم تعد تضيف قيمة؟

 

الإنسان أولاً


قد يكون من أخطر الأخطاء الاستراتيجية تبني منطق AI-first، أي البدء بسؤال: أين يمكن إدخال الذكاء الاصطناعي؟ الأكثر نضجاً هو أن نبدأ بالإنسان والمشكلة والقيمة المراد تحقيقها.

 

ويمكن اختصار هذه الفلسفة في ثلاث عبارات: Human-first: الإنسان أولاً. AI-enabled: الذكاء الاصطناعي داعم للقدرة الإنسانية. Impact-driven: الأثر هو معيار النجاح.

 

هذه ليست دعوة إلى الخوف من التكنولوجيا أو مقاومتها، بل إلى استخدامها بدرجة أعلى من النضج والمسؤولية.

 

الإنسان والآلة... السؤال الخطأ والسؤال الصحيح
لا ينبغي أن تنتهي مناقشة مستقبل التعليم إلى ثنائية "الإنسان ضد الذكاء الاصطناعي". فالذكاء الاصطناعي يستطيع بالفعل توسيع قدرة الإنسان الى درجة كبيرة، ومساعدة المعلم والباحث والقائد، وتحسين العمليات، وتوسيع الوصول إلى المعرفة وفتح أشكال جديدة من التعلم.

 

لذلك لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كنا سنستخدم الذكاء الاصطناعي. السؤال هو: أي نوع من البشر سنصبح ونحن نستخدمه؟

 

هل سيجعلنا أكثر فضولاً أم أكثر اتكالية؟ هل سيزيد قدرتنا أم اعتمادنا؟ هل سيجعلنا أكثر معرفة، أم أكثر استعداداً لتصديق الإجابات الجاهزة؟ هل سيعزز الإبداع، أم يدفع نحو مزيد من التشابه؟ هل سيمنحنا وقتاً أكبر للعلاقة الإنسانية، أم سيحول التقنية نفسها إلى غاية؟

 

المهمة التربوية الجديدة هي أن نجعل الذكاء الاصطناعي يوسع قدرة الإنسان من دون أن يصغّر مسؤوليته.

 

من البقاء إلى الذكاء الإنساني


يمكن النظر إلى رحلة التربية من خلال مسار من الحاجات والأدوار المتراكمة. منحها البقاء ضرورتها، ومنحتها المعرفة محتواها، وأعطتها الصناعة النظام والقدرة على تنظيم الإنتاج، وأضاف التفكير السؤال والتحليل والتحقق والحكم، واليوم يأتي الذكاء الإنساني ليضيف الغاية والحكمة والمسؤولية.
وبذلك يمكن اختصار المسار: البقاء ← المعرفة ← الصناعة ← التفكير ← الذكاء الإنساني.

 

هذه ليست مراحل تاريخية تلغي إحداها الأخرى. فالإنسان ما زال يحتاج إلى المعرفة والإنتاج والتفكير، لكنه يحتاج اليوم إلى جمعها في مستوى أعلى يجعله قادراً على أن يعرف ويفكر ويتحقق ويستخدم ويختار ويهتم ويحكم ويتحمل المسؤولية.

 

مسؤولية الإنسان


يمكن في النهاية اختصار هذه الرحلة كلها بمبدأ واحد: كلما ازدادت قدرة الآلة، لا ينبغي أن تنخفض مسؤولية الإنسان، بل ينبغي أن ترتفع.

عندها لا يعود السؤال التربوي الأكبر متعلقاً بما تستطيع الآلة فعله، ولا حتى بما يستطيع الإنسان أن يفعله بصورة أفضل منها. يصبح السؤال: أي إنسان نريد أن نصبح عندما تصبح بين أيدينا آلة تستطيع أن تفعل أكثر فأكثر؟
لن تأتي الإجابة عن هذا السؤال من التكنولوجيا وحدها. ستأتي من التربية.
لأن مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي لن تحدده قوة الآلة وحدها، بل حكمة الإنسان في تقرير كيف يستخدم هذه القوة، ولماذا يستخدمها، ولمصلحة من؟

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يوسّع نطاق ما يمكن للإنسان أن يفعله، أما التربية، فعليها أن تحدد من نريد أن نكون.

 

*عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية.

الأكثر قراءة

لبنان 8/26/2026 7:18:00 PM
أعلن المكتب الإعلامي للنائب اللبناني جبران باسيل أنه خضع لعملية جراحية بسيطة تكلّلت بالنجاح، مؤكداً أن وضعه الصحي ممتاز وأنه سيستأنف نشاطه السياسي المعتاد اعتباراً من الغد.
لبنان 8/27/2026 8:19:00 PM
نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن تقديرات أن "جزءاً كبيراً من المسلحين" قُتلوا داخل منشآت وبنى تحتية في منطقة علي الطاهر
لبنان 8/28/2026 3:47:00 PM

طقس نهاية الأسبوع في لبنان: ماطر بغزارة مع برق ورعد واحتمال تساقط حبات من البرد وتشكّل السيول

حول العالم 8/28/2026 10:53:00 PM
خسوف القمر 2026 يحجب 96% من سطحه... مشاهد مذهلة لـ"القمر الدموي"