تكنولوجيا وذكاء… ومشاعر: في إعادة تعريف لحظة الموت!
يا موت! إنك لا تخيفني. أنت في بالي فكرة مثيرة، فمشكلتي معك لا تكمن في حقيقة أنك حقّ لا مناص منه، إنما تكمن في تلك اللحظة تحديداً... لحظة أُعلَن فيها ميتاً. أيحدث ذلك فجأة، أم تكون باباً يغلقه القلب أولاً، ثم الأعضاء، فالخلايا، وأخيراً ذاك الـ"أنا" الذي لا أعرف تماماً أين تسكن في دماغي؟
أذكر أن جاهي ماكماث كانت في الثالثة عشرة حين أُدخِلت مستشفى للأطفال في كاليفورنيا لاستئصال اللوزتين. هذه جراحة يخضع لمثلها آلاف الأطفال يومياً، فيعودون إلى منازلهم مساءً سالمين. لكنها نزفت، ثم انخفض منسوب الأوكسجين في دمها، فأعلن الأطباء موتها دماغياً. بالنسبة إليهم، انتهت القصة. بالنسبة إلى أمها، لم تنتهِ. كانت ابنتها دافئةً أمامها، قلبها ينبض بمساعدة أجهزة الإنعاش، وجلدها لم يتحلل، واستمر جسدها في النمو، فبلغت وحاضت. حاربت عائلتها سنوات لمنع إعلان وفاتها، ونُقِلت إلى نيوجيرسي حيث تسمح القوانين بهامش مختلف للاعتراض على تشخيص الموت. عاش جسدها مدعوماً بالعلم خمسة أعوام إلى أن توفاها الله بمضاعفات أخرى. تقيداً بالمعايير الطبية الصحيحة، هذا موتٌ ولا علاج يُعيد من ثَبُتَ موته دماغياً. لكن، ماذا تقول لأم تسأل: "كيف تقولون لي ماتت ونبض قلبها في أذنيّ؟".
لا حدث فورياً
قبل 100 عام، كان الجواب أسهل: يتوقف قلبنا وينقطع منا النفس، فنموت. ثم اخترعنا أجهزة تستطيع أن تتنفس عنا، فاستطعنا إبقاء القلب والدورة الدموية يعملان. وفجأة، اضطررنا إلى تغيير تعريف الموت نفسه، فصار الموت الذي تعاملت معه طويلاً بصفته حقيقة مطلقة، سؤالاً علمياً بلا جواب محدد. يشدد العلماء اليوم على أمر حاسم: ثمة دماغ ميت سريرياً، لكن ثمة خلايا داخله حية. أربكتني هذه الجملة لأنها تعني أن الموت ليس حدثاً، أي لا تنطفئ خلايانا جميعاً في اللحظة نفسها. ثمة أبواب تُغلق واحداً بعد آخر، والعلم الآن يركض في ذلك الممر، محاولاً الوصول إلى بعض الأبواب قبل أن تقفل نهائياً.
ثم اندسّ الذكاء الاصطناعي إلى الممر. حتى قريباً، كنت أرى الذكاء الاصطناعي آلة تكتب وتحسب وتتنبأ. لكن استخدامه في أبحاث الوعي جعل المسألة أشد إثارة، وأشد إزعاجاً. في آذار/مارس 2026، نشر باحثون في Nature Neuroscience تجربة مختلفة تماماً. درّبوا ذكاءً اصطناعياً توليدياً على أكثر من 680 ألف مقطع قصير من النشاط الكهربائي العصبي، ثم اختبروا النموذج على بيانات من 565 مريضاً ومتطوعاً وحيواناً. لم يطلبوا منه أن يقول هذا واعٍ، وهذا غير واعٍ، إنما طلبوا منه أمراً أشبه بما نفعله عندما نفكك آلة تعطلت: "ما الذي ينكسر في الدماغ عندما يختفي الوعي؟" فاجَأَهُم بعض الإجابات: حدد النموذج اضطرابات محتملة في دوائر محددة داخل العقد القاعدية، وفي شبكات التثبيط داخل القشرة الدماغية. بحث العلماء عن هذه العلامات في صور أدمغة المرضى وفي الأنسجة والبيانات السريرية، فوجدوا أدلة تؤيد بعض تنبؤات الذكاء الاصطناعي، بل اقترح النموذج أن تحفيز منطقة محددة في الدماغ قد يكون مساراً علاجياً محتملاً لبعض اضطرابات الوعي، لا الموت!

لا جواب فلسفياً
لقد تغير السؤال في رأسي: "ماذا لو رأت آلة في دماغٍ ساكنٍ شيئاً ما لم يره طبيب؟". هذا ليس خيالاً. ففي دراسة نشرتها New England Journal of Medicine في 2024، خضع للفحص 353 شخصاً يعانون اضطرابات شديدة في الوعي. من بين 241 شخصاً لم يظهروا استجابة للأوامر، اكتشف الباحثون بواسطة تخطيط الدماغ الكهربائي أو التصوير الوظيفي أن 60 منهم، أي نحو واحد من كل أربعة، أظهروا نشاطاً دماغياً يدلّ على أنهم ينفذون أوامر ذهنية. بعض طرق تحليل إشارات رسم النشاط القلبي في الدراسة استعان بخوارزميات تعلم آلي.
نقف إلى جانب سرير إنسان لا يتحرك. نناديه فلا يجيب. نطلب منه تحريك يده فلا تتحرك. لكن، قل له "تخيّل أنك تحرك يدك"، فيلتقط الكمبيوتر نمطاً في دماغه يقول "أنا أسمعك". فهؤلاء المرضى لم يكونوا موتى دماغياً، وخطأ علمي كبير الخلط بين الغيبوبة واضطرابات الوعي من جهة، والموت الدماغي من جهة أخرى. لكن الاكتشاف يضع سبابتنا على الجرح: "لم نعرف بعد كل الطرق التي يسلكها الوعي ليختبىء في الدماغ".
بعيداً من فلسفة الوجود وتدبير الإيمان الإلهي، ربما يكون دور الذكاء الاصطناعي في قصة الموت أشد تواضعاً وأهمية في آن واحد. إنه لن "يُعيد الموتى" غداً، ولن يُخبرنا أين تذهب الروح، ولا يملك جواباً فلسفياً لسؤال النهاية، لكنه قد يخبرنا مَن لم يصل إلى نهاية النهاية بعدُ.
نبض