من الورق إلى الذكاء الاصطناعي.. هل تصبح "العلامة المائيّة" وصمة؟
بالنسبة إلى من لا يزالون يهتمون بمعرفة ما إذا كان نصّ ما قد كتبه إنسان أم أنتجه الذكاء الاصطناعي، أصبحت مهمة التمييز بين الاثنين أكثر صعوبة. فالكثير من الناس ليسوا كتّاباً محترفين، فيما تطورت نماذج الذكاء الاصطناعي إلى مستوى باتت معه الناس قادرة على إنتاج نصوص سليمة ومتماسكة، حتى لو لم تكن دائماً بالمستوى الذي يطمح إليه كاتب محترف.
وقد بدا أن شركة أنثروبيك قدّمت حلاً لهذه المشكلة، عندما أعلنت أخيراً أن النصوص التي يتم توليدها عبر نظام "كلود" ستحمل قريباً "علامة مائية".
وقالت الشركة إن هذه الخطوة تأتي استجابةً للوائح دخلت حيز التنفيذ في الاتحاد الأوروبي، وتفرض على الشركات وضع علامات على المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي وجعله قابلاً للكشف من جانب المستخدمين. ومن المرجح أن تحذو شركات ذكاء اصطناعي أخرى حذوها.
من الورق إلى الذكاء الاصطناعي
في تقرير نشرته الـ"سي أن أن"، أشارت إلى أنه في الأصل، كانت "العلامة المائية" عبارة عن علامة مادية ظاهرة. ففي القرن الثالث عشر الميلادي، طوّر صانعو الورق الإيطاليون تقنية لإضافة علامات دقيقة ومميزة إلى الورق الناتج من مصانعهم.
وعلى مرّ القرون، أصبحت العلامات المائية رمزاً للجودة والأصالة. ظهرت هذه العلامات المائية على طوابع البريد والعملات والعقود القانونية وغيرها من الوثائق الرسمية، غالباً للحماية من التزوير.
كما انتشر استخدام العلامات المائية الرقمية في التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، حيث سهّل الإنترنت قرصنة الموسيقى والأفلام وغيرها من الوسائط الرقمية أكثر من أي وقت مضى، كما ذكرت جيلي فيدان من جامعة كورنيل. كانت العلامات المائية تشير إلى أن حقوق أغنية ما مملوكة لشركة إنتاج موسيقي معينة، أو أن حقوق فيلم ما مملوكة لاستوديو أفلام.
والآن، مع انتشار المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي على الإنترنت، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي بوضع علامات على المخرجات الناتجة من نماذجها. ولكن إذا كانت العلامات المائية المادية والرقمية تهدف إلى التحقق من الأصالة، فإن علامات الذكاء الاصطناعي تُستخدم في الغالب للإشارة إلى عدم الأصالة. فبدلاً من حماية الملكية الفكرية، تُثير هذه العلامات الشكوك حول ما إذا كان بإمكان المستخدم ادعاء ملكية الكلمات أصلاً.
كيف تعمل العلامة المائية داخل النص؟
تعمل نماذج اللغة الكبيرة عبر تحليل كميات هائلة من النصوص، ثم التنبؤ بالكلمة التالية في الجملة. وعندما تكون هناك كلمات عدة محتملة، يختار النموذج إحداها وفق احتمالات محددة تستند إلى البيانات التي تدرب عليها.
أما عند تطبيق العلامة المائية، فيُعاد ضبط احتمالات اختيار الكلمات بطريقة دقيقة، بحيث يميل النموذج تكراراً إلى استخدام كلمات أو أنماط معينة. ومع تكرار هذا النمط داخل النص، تتشكل إشارة إحصائية يمكن للأداة المتخصصة اكتشافها. وكلما كان النص أطول، زادت احتمالات اكتشاف العلامة المائية.
لكن هذه العلامة لا تعمل كإشارة قاطعة تقول إن النص "بشري" أو "مولّد بالذكاء الاصطناعي". ويشير الباحث في أخلاقيات وسياسات الذكاء الاصطناعي دانيال سوسر إلى أنها تقدم دليلاً إحصائياً يمكن تفسيره على أنه يشير إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تمثل إجابة حاسمة بنعم أو لا.

هل تصبح العلامة المائية وصمة؟
أثار إعلان أنثروبيك مخاوف لدى بعض مستخدمي "كلود"، الذين تساءلوا عما قد يعنيه اكتشاف استخدام الذكاء الاصطناعي بالنسبة إليهم، خصوصاً في مجالات مثل التعليم والكتابة.
وقد يشعر البعض بأن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى وصمة، خصوصاً إذا أصبح من الممكن اكتشافه عند تقديم سيرة ذاتية أو بحث جامعي أو عمل إبداعي. فجزء من هذا القلق قد يرتبط بحقيقة أن المجتمع لم يضع بعد قواعد واضحة ومتفقاً عليها بشأن متى يكون استخدام الذكاء الاصطناعي مقبولاً ومتى لا يكون كذلك. ففي بعض المهن، يتعرض العاملون لضغوط لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما يُمنع استخدامها أو يُنظر إليها بسلبية في مجالات أخرى.
مع ذلك، لا ينبغي التعامل مع العلامة المائية باعتبارها دليلاً نهائياً. فهي مجرد أداة يمكن أن تساعد في تقدير احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي، كما أن غيابها لا يعني بالضرورة أن النص كتبه إنسان.
ويرى الباحثون أن الاستخدام الأكثر فائدة لهذه التقنية قد لا يكون في ملاحقة أفراد بعينهم، بل في قياس حجم انتشار المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي داخل البيئة الإعلامية والمعلوماتية.
نبض