نموذج ذكاء اصطناعي يفهم كيف يقرأ البشر ويمهد لتخصيص النصوص
قد لا يقرأ شخصان النص نفسه بالطريقة ذاتها. فالذاكرة واللغة والرؤية وسرعة حركة العين تؤثر جميعها في كيفية انتقالنا بين الكلمات والجمل وفهم ما نقرأه. نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يحاول الآن فهم هذه الاختلافات ومحاكاتها.
ووفق دراسة نُشرت في مجلة Nature Human Behaviour، طوّر باحثون نموذجاً يعتمد على التعلم المعزز، وهو أحد أساليب الذكاء الاصطناعي المستخدمة أيضاً في مجال الروبوتات، لفهم القرارات التي يتخذها الإنسان أثناء انتقال عينيه عبر النص.
ويصف الباحثون النموذج بأنه الأكثر دقة حتى الآن في تمثيل كيفية قراءة البشر.
كيف يقرر الإنسان أين ينظر أثناء القراءة؟
ينطلق النموذج من مفهوم يُعرف بـ"عقلانية الموارد"، ومفاده أن القارئ يتخذ باستمرار قرارات حول المكان الذي ينبغي أن ينظر إليه تالياً، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الفهم ضمن الوقت المتاح.
وتجري هذه القرارات على ثلاثة مستويات: الكلمة والجملة والنص. وتتأثر بعوامل مرتبطة بالقارئ، مثل اللغة وقدرة الذاكرة والرؤية وسرعة حركة العين.
فعلى سبيل المثال، قد ينتقل قارئ سريع يتمتع بذاكرة جيدة بسرعة بين الفقرات، بينما يكون القارئ صاحب الذاكرة الأضعف أكثر ميلاً للعودة إلى أجزاء قرأها سابقاً.
وبهذه الطريقة، لا يتعامل النموذج مع القراءة باعتبارها مجرد حركة متتابعة للعين، وإنما كسلسلة من القرارات حول مكان توجيه الانتباه، وما يمكن تجاوزه، ومتى تصبح العودة إلى جزء سابق ضرورية لتحسين الفهم.

من ملايين النصوص إلى فهم طريقة القراءة
أضاف الباحثون خصائص القراء إلى النموذج على شكل معايير قابلة للتعديل، ثم تركوه يتعلم الاستراتيجية الأفضل لتوجيه الانتباه.
ووضع الفريق النموذج في بيئة تضم ملايين النصوص، واستخدم التعلم المعزز لتدريبه على تحسين حركات العين بهدف فهم ما يقرأه.
وخلال القراءة، يُنشئ النموذج وصفاً مختصراً لمحتوى النص. وعندما تكون كلمة أو عبارة أساسية مفقودة من المعلومات التي جمعها، يمكن توجيه النظر للحصول على تلك المعلومة.
كما يمكن اختبار فهم النموذج عبر قياس المعلومات التي احتفظ بها من النص ضمن الوقت والقيود المحددة.
نموذج يحاكي سلوك القراء الحقيقيين
قارن الباحثون قرارات النموذج المتعلقة بتوزيع الانتباه مع بيانات حقيقية لتتبع حركة عيون البشر أثناء القراءة، ووجدوا أن قراراته عكست سلوك القراء.
وتمكن الفريق بذلك من بناء نموذجٍ لقارئ متوسط يمكن تعديله ليناسب خصائص مختلفة للقراء.
وتختلف هذه المقاربة عن نماذج سابقة اعتمدت على مجموعات بيانات تربط أجزاء من النصوص ببيانات تتبع العين بهدف تقليد السلوك البشري، لكنها كانت محدودة في فهم المحتوى والتعميم عبر لغات وسياقات مختلفة.
أما النموذج الجديد، فيتبع الآليات النفسية التي يستخدمها القارئ لتوجيه انتباهه، ويُظهر كيفية بناء الفهم مع انتقال العين بين الكلمات والجمل والفقرات.
النص نفسه قد يتغير بحسب القارئ
تمهد التقنية لتطوير أدوات قادرة على تخصيص النصوص وفق احتياجات المستخدمين، بدلاً من تقديم المحتوى نفسه بالطريقة ذاتها للجميع.
ويضرب الباحثون مثالاً بنص قانوني معقد يمكن إنتاج نسخ منه أكثر قابلية للفهم ومناسبة لقراء مختلفين.
ويرى الفريق أن فهم العلاقة بين الذاكرة البشرية والقراءة قد يفتح المجال أمام تطبيقات وخدمات ومنتجات أكثر قدرة على التكيف مع خصائص المستخدم.
ماذا يعني ذلك لنظارات الواقع المعزز؟
قد يمتد استخدام النموذج أيضاً إلى النظارات الذكية، بحيث يمكن ضبط سرعة ظهور النصوص وطريقة توزيعها على الشاشة وفق الموقف واحتياجات المستخدم.
ويمكن هذه الأنظمة تكييف طريقة عرض المعلومات مع خصائص القارئ والظروف التي يقرأ فيها، بدلاً من الاعتماد على تصميم ثابت للجميع.
ومن التطبيقات التي طرحها الباحثون تصميم نصوص تساعد السائقين في مواقف آنية من دون تشتيت انتباههم.
مساعدة المصابين بعسر القراءة
يعتزم الفريق في المرحلة المقبلة تقييم إمكان استخدام النموذج لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة، إضافة إلى المستخدمين ذوي الكفاءة اللغوية المخفوضة.
وقد تفتح هذه المقاربة المجال أمام أدوات قراءة أكثر تخصيصاً، بحيث تتكيف طريقة صياغة النص وعرضه مع اختلاف قدرات القراء والظروف التي يقرأون فيها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض