الذكاء الاصطناعي يدخل أكثر الأماكن خصوصية... الأسرة وتفاصيلها
ليال غدار *
لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على المكاتب وقاعات الاجتماعات أو على زيادة الإنتاجية في بيئات العمل، بل بدأ يتسلل إلى أكثر الأماكن خصوصية في حياة الإنسان: المنزل. ففي السنوات الأخيرة، تحول من أداة تُستخدم عند الحاجة إلى رفيق رقمي حاضر باستمرار، يساعد في تنظيم شؤون الأسرة، وإدارة المواعيد، وتخطيط الوجبات، ومتابعة تعلم الأطفال، بل حتى تقديم الدعم العاطفي وإجراء محادثات يومية تبدو أقرب إلى الحوار الإنساني. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال المطروح هو ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به، بل كيف سيغير شكل الحياة الأسرية والعلاقات داخل المنزل؟
وتؤكد المؤشرات أن شركات الذكاء الاصطناعي تنظر إلى المنازل باعتبارها المرحلة التالية من التوسع. فقد كشفت تقارير حديثة أن شركة OpenAI تعمل على تطوير جهاز منزلي ذكي يعمل من دون شاشة، صُمم ليكون رفيقاً ذكياً يتفاعل مع أفراد الأسرة بشكل دائم، في خطوة تعكس الانتقال من المساعدات الصوتية التقليدية إلى أنظمة تتذكر العادات اليومية، وتتعلم من أفراد الأسرة، وتتوقع احتياجاتهم قبل طلبها.
ولم يعد هذا المشهد مجرد تصور مستقبلي، بل أصبح واقعاً في كثير من المنازل. فقد استعرضت مجلة The New Yorker قصة أسرة أميركية أصبحت فيها الأم تعتمد على مساعدها الذكي لإدارة تفاصيل الحياة اليومية والتنفيس عن ضغوطها، بينما اعتادت إحدى ابنتيها الحديث مع "شات جي بي تي"، ولجأت الأخرى إلى روبوت محادثة متخصص في الصحة النفسية.

كما عرضت مجلة The Cut تجربة رائدة أعمال أميركية تستخدم مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي لإدارة التسوق، وتنظيم تعليم أطفالها المنزلي، وإنجاز المعاملات القانونية والمالية، في نموذج يعكس مدى اندماج هذه التقنيات في تفاصيل الحياة الأسرية.
وتدعم الأرقام هذا التحول المتسارع؛ إذ أظهر استطلاع أجراه مستشفى لوري للأطفال في شيكاغو (Lurie Children's Hospital) ونُشر في أيارمايو 2026 أن 81% من الآباء والأمهات استخدموا الذكاء الاصطناعي للمساعدة في مهمات تتعلق بتربية الأبناء، بينما أظهرت دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) أن 64% من المراهقين الأميركيين يستخدمون روبوتات المحادثة، معظمهم لأغراض التعلم والبحث، إضافة إلى الترفيه.
لكن هذا الانتشار يثير تساؤلات عميقة حول الخصوصية والعلاقات الإنسانية. فالباحثون في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان (HAI) يشيرون إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الشخص الذي يستخدمه، بل يمتد إلى جميع أفراد الأسرة، لأن وجوده داخل المنزل يؤثر في بيئة التفاعل اليومي. كما تحذر عالمة النفس التنموي آن ماهيو من جامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل من أن المراهقة تُعد مرحلةً حساسة لاكتساب المهارات الاجتماعية والعاطفية، وأن الاعتماد المفرط على روبوتات المحادثة قد يقلل من فرص تعلم إدارة الخلافات والتواصل الإنساني الحقيقي.
ورغم ما يوفره الذكاء الاصطناعي من راحةٍ وكفاءة، فإن ثمنه قد لا يكون مالياً فقط، بل يمتد إلى البيانات الشخصية والخصوصية والعادات اليومية التي يجمعها باستمرار. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع دخول الذكاء الاصطناعي إلى منازلنا، بل في بناء ثقافة رقمية واعية توازن بين الاستفادة من إمكاناته الهائلة والحفاظ على خصوصية الأسرة، وتنمية مهارات الأطفال الاجتماعية، وضمان أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداةً تدعم العلاقات الإنسانية لا بديلاً منها. ففي الوقت الذي قد يغيّر فيه الذكاء الاصطناعي اقتصاد العالم من خلال أماكن العمل، يبدو أن تأثيره الأعمق قد يبدأ من المكان الذي نصنع فيه شخصياتنا وقيمنا... المنزل.
*باحثة و خبيرة تربوية
نبض