الذكاء الاصطناعي... رافعة الاستدامة أم عبء عليها؟

اقتصاد وأعمال 22-06-2026 | 08:15

الذكاء الاصطناعي... رافعة الاستدامة أم عبء عليها؟

الذكاء الاصطناعي يعزز الاستدامة عبر تحسين الكفاءة وخفض الانبعاثات بحوكمة تضمن أثراً بيئياً إيجابياً للمؤسسات مستقبلاً.
الذكاء الاصطناعي... رافعة الاستدامة أم عبء عليها؟
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي - (النهار)
Smaller Bigger

د. نجوى ازهار*

 

 

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصوراً بقدرته على رفع الإنتاجية أو تسريع الابتكار، بل أصبح جزءاً أساسياً من سؤالٍ أوسع: "كيف يمكن المؤسسات أن تتحول رقمياً من دون أن تزيد بصمتها البيئية؟". فمع التوسع السريع في مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والنماذج الكثيفة الاستهلاك للطاقة، بات واضحاً أن التكنولوجيا قد تكون جزءاً من المشكلة المناخية. لكنها، في الوقت نفسه، قد تكون من أقوى الأدوات المتاحة لمعالجتها.


تكمن المفارقة في أن الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة وموارد، لكنه قادر أيضاً على خفض الانبعاثات والإهدار وتحسين استخدام الموارد على نطاق واسع. لذلك، لم يعد السؤال: هل الذكاء الاصطناعي مفيد للاستدامة، بل أصبح: كيف نضمن أن يكون أثره البيئي الصافي إيجابياً؟


يمكن الذكاء الاصطناعي أن يساهم في تحقيق أهداف المناخ داخل المؤسسات عبر ثلاثة مسارات رئيسية:


أولاً، تحسين الكفاءة التشغيلية. فمن خلال تحليل البيانات في الوقت الحقيقي، تستطيع الخوارزميات تحسين استهلاك الطاقة في المصانع والمباني، ضبط خطوط الإنتاج، تقليل الأعطال، وخفض الفاقد في المواد الأولية. وفي القطاعات الصناعية واللوجستية، يمكن الذكاء الاصطناعي تحسين التنبؤ بالطلب، وتخطيط الإنتاج، ومسارات النقل، بما يحدّ من التخزين الزائد، والإنتاج غير الضروري، والانبعاثات المرتبطة بالحركة والنقل.


ثانياً، دعم الاقتصاد الدائري وتقليل النفايات. فالذكاء الاصطناعي قادر على تتبع تدفقات المواد داخل المؤسسة، تحديد مصادر الإهدار، واقتراح بدائل أكثر كفاءة في التصميم والتعبئة وإعادة الاستخدام. كما تتيح النماذج الرقمية، أو ما يعرف بـ"التوائم الرقمية"، اختبار خيارات إنتاج وتغليف أكثر استدامة قبل تطبيقها فعلياً، بما يقلل تكلفة التجربة والخطأ ويسرّع الانتقال نحو مواد أقل أثراً على البيئة.


ثالثاً، تحسين قياس الأداء البيئي. فالكثير من المؤسسات تعلن أهدافاً طموحة لخفض الانبعاثات، لكنها تواجه صعوبة في تحويل هذه الالتزامات إلى قرارات تشغيلية قابلة للقياس. هنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في دمج بيانات الاستدامة المتناثرة، من الطاقة والمشتريات وسلاسل الإمداد إلى النقل والنفايات، وتحويلها إلى مؤشرات عملية تساعد الإدارة على اتخاذ قرارات أكثر دقة وشفافية.

 

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي  (شات جي بي تي)
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)

 


غير أن تحقيق هذه الإمكانات لا يتم عبر مبادرات معزولة أو تجارب محدودة. فالخطر الحقيقي هو أن تتعامل المؤسسات مع الذكاء الاصطناعي الأخضر كحزمة مشاريع تقنية منفصلة عن الاستراتيجية العامة. التجارب الصغيرة قد تثبت القيمة، لكنها لا تكفي لتغيير نموذج العمل. المطلوب هو الانتقال من "مشاريع ذكاء اصطناعي" إلى "محفظة مؤسسية" تقيس، في كل مبادرة، الانبعاثات التي تولدها مقارنة بالانبعاثات التي تساعد على تجنبها.


وهذا يتطلب حوكمةً جديدة. فقرارات التكنولوجيا لا ينبغي أن تقاس فقط بالتكلفة والعائد والسرعة، بل أيضاً بأثرها المناخي. كما أن فرق التكنولوجيا والاستدامة لم يعد بإمكانها العمل في مسارين منفصلين: الأولى معنية بالأداء والابتكار، والأخرى بالتقارير والامتثال. التحدي اليوم هو بناء لغة مشتركة بينهما، بحيث يصبح كل قرار رقمي، من اختيار المورّد إلى تصميم النظام، خاضعاً لمبدأ "الاستدامة منذ التصميم".

 


في هذا السياق، يتغير دور قادة التكنولوجيا داخل المؤسسات. فلم يعد مديرو المعلومات والتكنولوجيا مسؤولين عن الأنظمة والموثوقية والأمن السيبراني فحسب، بل باتوا شركاء في قيادة التحول المناخي، لأنهم يتحكمون بالبنية الرقمية التي تمر عبرها البيانات والقرارات وسلاسل القيمة. وكلما زادت قدرة المؤسسة على قياس الأثر البيئي لتكنولوجياتها، زادت قدرتها على توجيه الذكاء الاصطناعي نحو نتائج أكثر استدامة.

 


بالنسبة إلى منطقتنا العربية، تحمل هذه المقاربة أهميةً خاصة. فالمؤسسات تواجه في الوقت نفسه تحديات الطاقة، المياه، الغذاء، النفايات، وكفاءة الموارد. ويمكن الذكاء الاصطناعي أن يكون أداة عملية لتحسين إدارة هذه الملفات، شرط ألا يُنظر إليه كترف تكنولوجي، بل كوسيلة لرفع القدرة التنافسية، خفض التكلفة، وتحقيق التزامات الاستدامة.


الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي ليس حلاً سحرياً للمناخ، وليس بريئاً بيئياً بطبيعته. قيمته الحقيقية تتوقف على طريقة تصميمه وحوكمته واستخدامه. فإذا أُدير بوعي، فيمكن أن يتحول من مصدرٍ إضافي للضغط على الطاقة إلى رافعة هيكلية تجعل الاستدامة جزءاً من كل قرار تكنولوجي وتشغيلي داخل المؤسسة.

 

*خبيرة التنمية المستدامة

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/20/2026 2:13:00 PM

خلف صورة القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي، تخوض أكبر اقتصادات العالم معركة أخرى صامتة: سباق الاقتراض، حيث باتت الديون تتضخم بوتيرة تقترب من حجم الاقتصاد العالمي نفسه.

فن ومشاهير 6/20/2026 10:38:00 AM
وكان آخر لقاء مباشر بينهما في أيلول/ سبتمبر 2025.
رياضة 6/18/2026 8:53:00 AM
اكتشف النتائج الكاملة للجولة الأولى من دور المجموعات في كأس العالم 2026، مع أبرز المفاجآت وتألق ليونيل ميسي في المباراة الأولى للأرجنتين أمام الجزائر
رياضة 6/19/2026 7:09:00 PM
داخل إحدى حفلات الزفاف، لم يتردّد الضيوف في التجمّع أمام شاشة كبيرة لمتابعة اللقاء، في صورة تختصر حالة حمّى المونديال التي اجتاحت البلاد بالكامل