ما الذي يبقي الذكاء الاصطناعي ذكياً؟
نحن نخشى أن تجعلنا الآلة عاطلين. والآلة، في المقابل، تخشى — إن صح التعبير — أن نتوقف عن التفكير.
منذ الطفرة التكنولوجية التي اندلعت أواخر عام 2022، لم يتوقف الجدل حول قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدال البشر. غير أن أبحاثاً حديثة صدرت عن جامعتي أكسفورد وكامبريدج تطرح السؤال من زاوية مغايرة تماماً: ليس ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بنا، بل ماذا سيحدث له إن تركناه وشأنه.
يكشف هؤلاء الباحثون عن ظاهرة باتت تُعرف في الأوساط التقنية بـ"انهيار النموذج". والمقصود بها أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، حين تبدأ بالتغذي على مخرجات أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى بدلاً من الاستناد إلى بيانات بشرية أصيلة، تأخذ في الانزلاق نحو حالة من الانغلاق المعرفي. تتكرر العملية، فتتآكل القدرة على تمثيل الواقع بدقة، وتنزع النماذج تدريجياً إلى إعادة إنتاج ما تعرفه مسبقاً، عوضاً عن استيعاب التنوع الحقيقي للعالم وتعقيداته.
لكن الأخطر في هذه المعادلة ليس ما قد يبدو واضحاً للوهلة الأولى.
فأول ما يتبخر في هذه العملية ليس المعلومات الشائعة، بل الأفكار النادرة وغير المألوفة، تلك التي يسميها الباحثون "ذيول التوزيع". وتلك الأفكار بالذات هي التي كثيراً ما وُلدت منها أعظم التحولات الفكرية والعلمية في تاريخ البشرية. الأفكار التي غيّرت العالم لم تنبثق من قلب الإجماع يوماً، بل من أطرافه، من هوامشه، من تلك المساحات التي يشعر فيها أصحابها بالغرابة قبل أن يشعروا بالصواب.
حين تتغذى الأنظمة الذكية على مخرجاتها الخاصة باستمرار، تضيق تدريجياً دائرة ما تعتبره جديراً بالحفظ أو الاعتبار. يزداد حضور المألوف ويتكثف المتكرر، فيما تتراجع الأفكار الاستثنائية إلى الهامش وتخفت. والخطر هنا لا يقتصر على تراكم الأخطاء، بل يمتد إلى ما هو أشد وطأة: فقدان التنوع الذي يغذي الإبداع، ويجعل الفكر حياً ومتجدداً.

من هذا الباب، لم يعد الفكر البشري الأصيل مجرد قيمة رمزية أو ترف ثقافي. لقد صار مورداً استراتيجياً بامتياز في عصر الذكاء الاصطناعي. فالإنسان لا يمد الآلة بالمعلومات وحسب، بل يزودها أيضاً بما هو أعصى على الاستنساخ: الخيال، والمفاجأة، والقدرة على كسر الأنماط السائدة وتجاوز ما هو متوقع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغلنا لم يعد: هل سيستغني الذكاء الاصطناعي عن الإنسان؟ السؤال الأجدر — والأكثر إلحاحاً — هو: ماذا سيحدث للذكاء الاصطناعي إذا توقف الإنسان عن تزويده بما يجعله قادراً على فهم العالم والتجدد معه؟
ربما كانت المفارقة الكبرى لهذا العصر ليست أن التكنولوجيا تجعل العقول البشرية أقل أهمية، بل إنها، كلما تمددت وتوغلت، احتاجت إلى تلك العقول أكثر وأكثر.
نبض