هندسة الذوق في عصر الخوارزميات.. هل نختار ما نحب أم نحب ما يُختار لنا؟
هل تساءلت يوماً لماذا تشبه قائمة أغانيك المفضلة قوائم أصدقائك، أو لماذا تشعر بفتور تجاه الموضة التي تلاحقك في كل مكان؟
إن الذوق الفردي، تلك السمة التي كانت تميزنا كأفراد، تتعرض اليوم لعملية "هندسة مقصودة". لقد استبدلنا العالم الخارجي المتّسع بخوارزمية ضيّقة، تحوّلت معها تفضيلاتنا من فعل حرّ ومستقلّ إلى أداة اقتصادية تهدف لإبقائنا رهن الاستهلاك، حتى بات من الصعب أن نعرف: أين ينتهي الذوق المبرمج ويبدأ ذوقنا الحقيقي؟
من الصعب تجاهل فكرة أن الذوق الشخصيّ تعرّض لتغيّر جذري، بل وربما لتآكل عميق، بفعل التطور التكنولوجي. وكما غيّر الإنترنت طريقة تشكّل آرائنا ومعتقداتنا، يبدو أنه يعيد اليوم تشكيل قدرتنا نفسها على تكوين تفضيلات فردية مستقلّة.
في السابق، كان الذوق يتكوّن عبر تفاعل مع العالم الخارجي، من خلال المجتمع، المكان، الإعلام التقليدي والمتخصّص، وحتى الصدفة. كنّا نتعرّض لمجموعة واسعة من الأنماط والأفكار، ثم نطوّر ميولنا الخاصة ونحاول لاحقاً التعبير عنها عبر ما نستهلكه ونختاره.

"باب واحد"
أما اليوم، فقد تغيّر هذا المسار بالكامل تقريباً. نحن نواجه العالم عبر "باب واحد" تقريباً: منصات البثّ ووسائل التواصل الاجتماعي، أو بالأحرى عبر الخوارزميات التي تتحكم بهذه المنصات، إضافة إلى محركات البحث ومواقع التسوّق التي تعيد ترتيب المحتوى بحسب بياناتنا وسلوكنا السابق وسلوك الآخرين المشابهين لنا.
في كثير من الحالات، الهدف ليس فقط عرض المحتوى، بل إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن داخل المنصة. على سبوتيفاي مثلاً، قد يعني ذلك اقتراح أغانٍ تشبه آخر ما لم نتجاوزه سريعاً، بينما على إنستغرام قد يعني تكرار ظهور صانع محتوى تابعناه لبضع دقائق فقط. وهكذا نعيش ضمن تدفّق لا ينتهي من محتوى "مفصّل" ظاهرياً لنا، لكنه في الحقيقة مبرمج لزيادة الاستهلاك والانتباه.
المفارقة هنا أن هذه المنصات، التي جعلت من "التخصيص" جوهر نموذجها، انتهت إلى تحويل الذوق الفردي إلى شيء مُصنّع ومُدار خوارزمياً، حتى بات من الصعب تمييز ما نختاره فعلاً مما يجري اقتراحه علينا باستمرار. نحن لم نعد نختار ما نريد استهلاكه بالمعنى التقليدي، بل نتلقّى ما يُقدَّم لنا بكميات ضخمة.
كيف تغيّرت خوارزميات المنصّات؟
في السياق، أوضح الخبير في التحوّل الرقمي وأمن المعلومات رولان أبي نجم في حديث لـ"النهار" أن خوارزميات منصات التواصل لم تعد تعتمد فقط على عمليات البحث أو النقر على المحتوى لفهم اهتمامات المستخدمين، بل أصبحت تستند بشكل كبير إلى تحليل سلوكهم وأنماط تفاعلهم.
وأشار إلى أن المنصات تأخذ أيضاً في الاعتبار البيئة المحيطة بالمستخدم، مثل الأشخاص الموجودين معه في مكان العمل أو ضمن الدوائر المشتركة، ما قد يؤدّي إلى تصنيفه ضمن فئات ذات اهتمامات متشابهة وعرض محتوى قريب منها.
وأضاف أن مجرد التوقف لبضع ثوانٍ عند صورة أو مقطع فيديو يمنح الخوارزميات مؤشرات كافية لفهم اهتمامات المستخدم، لتبدأ بعدها بعرض المزيد من المحتوى المشابه. كذلك، باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل العناصر الظاهرة داخل الصور والفيديوهات، مثل المنتجات والعلامات التجارية، واستخدام هذه المعلومات لتخصيص المحتوى بشكل أدق.
فتور.. وعفوية "مفبركة"
مع مرور الوقت، كثيرون بدأوا يلاحظون شعوراً غريباً: نوعاً من الفتور تجاه ما يُعرض عليهم. موجات من الملابس النوستالجية، قوائم تشغيل مليئة بموسيقى بلا ملامح، حتى صيحات الموضة اليومية أصبحت تتكرر بسرعة لدرجة أنها تفقد معناها قبل أن تتبلور، إذ إن الأنماط تظهر وتنتشر بسرعة، من دون أن تمنح الناس وقتاً كافياً لتكوين رأي حقيقيّ حولها. وهنا يبرز سؤال يتكرّر على ألسنة البعض: هل ما يعجبني فعلاً هو جزء من هويتي، أم أنه شيء جرى دفعه نحوي مرات كافية حتى أصبح مألوفاً؟
هذا الشعور لا يقتصر على الأفراد فقط، بل تمتدّ جذوره إلى طريقة عمل الصناعات الإبداعية نفسها. فبعض الشركات باتت تستخدم حسابات متعددة على منصات التواصل لنشر محتوى يبدو عفوياً حول فنانين معيّنين، بهدف دفع الخوارزميات للاعتقاد بوجود اهتمام واسع بهم. وهكذا يصبح الترند في كثير من الأحيان نتيجة هندسة مقصودة لا انعكاساً تلقائياً للذوق العام.
أخيراً، يبدو أن الذوق لم يعد مجرد انعكاس لما نحبه أو لا نحبه، بل أصبح أداة قياس اجتماعية، وحتى اقتصادية.
نبض