نستثمر في الذّكاء الاصطناعي... ونستنزف المعلّم
*د. أنور كوثراني
في الوقت الذي تتسابق فيه الحكومات والمؤسسات حول العالم للاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتتسابق الأنظمة التعليمية إلى توظيف أدوات مثل ChatGPT وNotebookLM وغيرها من التطبيقات الذكية في التعليم، يبرز سؤال جوهري لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه: من الذي سيقود هذا التحول؟
قد تبدو الإجابة بديهية: المعلّم.
غير أن المفارقة تكمن في أننا نطالب المعلّم بقيادة واحد من أكبر التحولات المعرفية والتربوية في التاريخ المعاصر، في الوقت الذي نواصل فيه تحميله أعباءً إدارية وتربوية ونفسية متزايدة، وكأن طبيعة مهنته ومتطلبات عصره لم تتغير. ولعلّ التناقض الأبرز الذي يواجه التعليم اليوم لا يتمثل في العلاقة بين الإنسان والآلة بقدر ما يتمثل في الفجوة بين ما نطلبه من المعلّم وما نوفره له من دعم وتمكين وتأهيل يمكّنه من أداء هذا الدور.
وقد اختزلت صورة انتشرت مؤخراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذه المعضلة ببلاغة لافتة؛ إذ ظهر فيها معلّم تحرّكه خيوط تمتد من كل اتجاه. فالمدير يشدّ خيطاً، والمشرف التربوي يشدّ آخر، ورئيس القسم يضيف مزيداً من المطالب، فيما ينتظر أولياء الأمور نتائج أفضل، ويتطلع الطلاب إلى تعلم أكثر متعة وسهولة، وتفرض الإدارات المزيد من التقارير والاجتماعات ومتطلبات التوثيق. ورغم أن الصورة بدت ساخرة للكثيرين، فإنها في حقيقتها تعكس واقعاً يعيشه عدد كبير من المعلّمين حول العالم، وتختصر أزمة تربوية تتجاوز حدود مدرسة بعينها أو نظام تعليمي محدد.

لقد شهدت مهنة التعليم خلال العقد الأخير تحولات عميقة أعادت تشكيل دور المعلّم بصورة غير مسبوقة. ففي وقت لم يكن بعيداً، كان يُنظر إلى المعلّم بوصفه ناقلاً للمعرفة وشارحاً للمحتوى الدراسي. أما اليوم، فقد أصبح مطالباً بأن يكون معلماً ومصمماً للتعلم، ومحللاً للبيانات التعليمية، وموجّهاً تربوياً، وداعماً نفسياً، ومتخصصاً في توظيف التكنولوجيا، وشريكاً للأسرة، فضلاً عن كونه مسؤولاً عن إعداد الطلبة لعالم سريع التغير لم يعد يشبه العالم الذي تخرّج فيه هو نفسه.
لقد تغيّرت أدوار التعليم ومتطلباته بصورة جذرية، بينما بقي الافتراض السائد على حاله: أن المعلّم قادر دائماً على تحمّل المزيد من المسؤوليات.
ولم تتوقف التحديات عند حدود تعدد الأدوار، بل امتدت إلى حجم العمل اليومي الذي غالباً ما يبقى بعيداً عن الأنظار. ففي العديد من المدارس، قد يتولى المعلّم ما يصل إلى خمسٍ وثلاثين حصة أسبوعياً، غير أن الحصة الدراسية لا تبدأ فعلياً عند دخول الصف ولا تنتهي بمجرد مغادرته. فخلف كل درس ساعات طويلة من التخطيط والتحضير، وخلف كل اختبار جهود تمتد إلى الإعداد والتصحيح والتحليل وإدخال النتائج، وخلف كل طالب احتياجات تتطلب متابعة فردية وتواصلاً مستمراً مع أسرته. وما يراه المجتمع داخل غرفة الصف ليس سوى الجزء الظاهر من العمل، أما الجزء الأكبر فيُنجز غالباً في ساعات المساء والعطل الأسبوعية وأوقات الراحة التي تحولت تدريجياً إلى امتداد غير معلن ليوم العمل.
ثم جاءت جائحة كورونا وما رافقها من أزمات وتحديات لتكشف بصورة أكثر وضوحاً حجم المسؤوليات التي يتحملها المعلّمون في الظروف الاستثنائية. فقد تحولت المنازل إلى صفوف دراسية، وأصبحت الأجهزة الشخصية منصات للتعلم، وتلاشت الحدود التقليدية بين الحياة المهنية والحياة الخاصة. وخلال تلك المرحلة لم يكن المعلّم مسؤولاً عن التدريس فحسب، بل أصبح مطالباً بإدارة المنصات الرقمية، وتقديم الدعم التقني، ومتابعة الطلبة عن بُعد، وحل المشكلات الإلكترونية، والاستجابة المستمرة للاستفسارات والرسائل في مختلف أوقات اليوم.
ورغم الإشادة الواسعة التي حظي بها المعلّمون لقدرتهم على التكيّف وضمان استمرارية العملية التعليمية، فإن الحديث ظل محدوداً حول الكلفة النفسية والمهنية التي ترتّبت على تلك المرحلة.
وقبل أن يتمكن التعليم من استعادة توازنه الكامل، دخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد بقوة غير مسبوقة، فارضاً على المعلّم تحديات جديدة لا تقل تعقيداً عن سابقاتها. فقد أصبح مطلوباً منه أن يفهم أدوات مثل ChatGPT وNotebookLM، وأن يوجّه الطلاب إلى استخدامها بصورة أخلاقية ومسؤولة، وأن يميّز بين الإنتاج البشري والمحتوى المُولَّد آلياً، وأن يعيد النظر في طبيعة الواجبات المنزلية وأساليب التقييم وطرائق قياس التعلم.
ولعلّ التحول الأعمق يتمثل في أن المعرفة لم تعد حكراً على أحد، ولم يعد الوصول إليها يتطلب أكثر من بضع ثوانٍ. ومن ثمّ لم تعد مهمة التعليم تقتصر على نقل المعلومات بقدر ما أصبحت تتمحور حول تنمية التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على التحليل، وبناء مهارات التحقق والحكم الرشيد في عالم تتدفق فيه المعلومات بصورة غير مسبوقة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كم عدد المعلّمين الذين حصلوا فعلاً على التدريب الكافي للتعامل مع هذه التحولات؟ وكيف يمكن أن نطالبهم بإعداد جيل لعصر الذكاء الاصطناعي بينما لا نستثمر بالقدر ذاته في إعدادهم وتأهيلهم؟ إن مطالبة المعلّم بقيادة هذا التحول دون توفير برامج تدريبية منهجية ومستدامة تشبه مطالبة قائد طائرة بالتحليق في أجواء جديدة من دون أن نزوّده بأدوات الملاحة اللازمة.
وتشير تقارير منظمة اليونسكو إلى أن العالم سيحتاج إلى عشرات الملايين من المعلّمين الإضافيين بحلول عام 2030. وفي الوقت نفسه، تشهد دول عديدة ارتفاعاً في معدلات الإرهاق المهني وتراجعاً في جاذبية مهنة التعليم. ومن هنا لم تعد القضية قضية تعليم فحسب، بل أصبحت قضية استدامة تنموية ومجتمعية. فكيف يمكن بناء مدارس المستقبل إذا كان من يفترض أن يقودها يفكر في مغادرتها؟
ولو افترضنا أن أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة طُلب منه تحليل طبيعة وظيفة المعلّم في عصرنا الحالي، لوجد نفسه أمام مهنة تتطلب تأهيلاً أكاديمياً وتدريباً مهنياً مستمراً، وإدارة لعشرات المتعلمين يومياً، وتصميماً للتقييمات، وتحليلاً للبيانات، وإتقاناً للتكنولوجيا، وفهماً للذكاء الاصطناعي، وتواصلاً دائماً مع الأسر، ودعماً نفسياً واجتماعياً للطلاب، فضلاً عن مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه أجيال كاملة. وعندها قد تكون إجابته حول القيمة الحقيقية لهذه المهنة أكثر جرأة مما اعتدنا سماعه في نقاشاتنا التربوية.
إن القضية المطروحة اليوم لا تختزل في الرواتب وحدها، على الرغم من أهميتها، بل تتعلق بمفهوم أوسع يشمل التمكين المهني، والثقة المؤسسية، والكرامة المهنية، والاستثمار الطويل الأمد في رأس المال البشري. فالتعليم لا يتحسن لأننا اشترينا أجهزة أكثر، ولا لأننا أطلقنا منصات رقمية جديدة، ولا لأننا أدخلنا الذكاء الاصطناعي إلى الصفوف الدراسية، بل يتحسن عندما يشعر المعلّم بأنه موضع تقدير واحترام، ويحظى بالتأهيل والدعم اللازمين، ويعمل في بيئة مهنية تتيح له الوقت للتخطيط والإبداع والتطور المستمر.
وفي كل مرة نتحدث فيها عن مستقبل التعليم، ينصرف النقاش إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والبيانات والابتكار، غير أننا نادراً ما نتوقف عند الإنسان الذي سيحوّل كل هذه الأدوات إلى تعلم حقيقي ذي أثر مستدام في حياة المتعلمين. فرغم ما أتاحته التكنولوجيا من إمكانات هائلة في الوصول إلى المعرفة وتيسير التعلم، فإنها لا تستطيع أن تحل محل الدور الإنساني الذي يؤديه المعلّم. فالخوارزميات لا تستشعر موهبة ناشئة قبل أن تتجلى، والمنصات الرقمية لا تعيد بناء ثقة طالب فقد إيمانه بقدراته، وأدوات الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت من تطور، لا تمتلك القدرة على الإلهام التربوي الذي يصنع الفارق في حياة المتعلمين. ولذلك يبقى المعلّم العنصر الأكثر تأثيراً في تحويل المعرفة إلى نمو، والمعلومة إلى فهم، والتعلم إلى تجربة إنسانية ذات معنى.
فعندما يرحل الطبيب، يخسر المريض طبيباً، وعندما يرحل المهندس، يخسر المشروع مهندساً. أما عندما يُستنزف المعلّم أو ينكسر، فإن المجتمع بأسره يفقد جزءاً من مستقبله؛ لأن المعلّم هو الإنسان الوحيد الذي تمر بين يديه جميع المهن، وجميع الأحلام، وجميع القادة، وجميع العلماء، وجميع صنّاع الغد.
لذلك، فإن السؤال الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: كيف سنُعِدّ الطلاب للمستقبل؟
بل: كيف سنُعِدّ المعلّمين لصناعة هذا المستقبل؟
لأن الأمم التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي وتُهمل المعلّم قد تمتلك أحدث التقنيات، لكنها لن تمتلك مستقبلاً حقيقياً.
فاحفظوا المعلّم... فربما يكون آخر من لا يزال يحرس مستقبلنا بصمت.
*عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية .
نبض