قبل ظهور الورم بسنوات... كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يلمح سرطان الثدي مبكراً؟
بعدما ظلّ سرطان الثدي لسنواتٍ شبحاً يباغت كثيرات من النساء، باتت فرصه في التخفّي — حتى يكبر ويصير ورماً تكشفه صورة الأشعة — آخذةً في التقلّص. ففي بعض الحالات تترك الخلايا علاماتٍ خفيفة لا تكاد العين البشرية أن تلتقطها أثناء الفحص، لكن يمكن برامج الذكاء الاصطناعي المدرَّبة على قراءة الصور الطبية أن تلمحها.
وكشفت دراسة سويدية جديدة نشرتها مجلة Radiology في التاسع من حزيران/ يونيو الجاري، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على رصد علاماتٍ مرتبطة بسرطان الثدي قبل اكتشافه بمدة قد تصل إلى ست سنوات.
ماذا تقول الدراسة؟
اختبرت الدراسة، التي قادها باحثون سويديون، ثلاثة أنظمة تجارية مساعدة في قراءة صور الماموغرام، اعتماداً على قاعدة واسعة من بيانات الفحص الدوري. وشملت العينة 88,963 صورة ماموغرام تعود إلى 31,394 إمرأة، التُقطت بين كانون الثانييناير 2008 ونيسانأبريل 2019، ضمن قاعدة بيانات سويدية تجمع صور فحص الثدي من متطوعاتٍ في أربع مناطق.
وفي السويد، تُدعى النساء بين سنّ الأربعين والرابعة والسبعين إلى فحص الثدي كل عامين، وكانت كل صورة تُقرأ تقليدياً على يد طبيبَي أشعة.
وبحسب الدراسة، منحت أنظمة الذكاء الاصطناعي درجاتٍ أعلى في المتوسط للنساء اللواتي شُخِّصن لاحقاً بسرطان الثدي، مقارنةً بمن لم يُصبن بالمرض. وعند ضبط الأنظمة على مستوى خصوصية بلغ 90 في المئة، تمكّنت من تحديد نسبةٍ من الحالات قبل سنوات من التشخيص المسجَّل: 19.7 في المئة قبل ست سنوات، و25.2 في المئة قبل أربع سنوات، و39.3 في المئة قبل عامين.
غير أن أهمية هذه النتائج لا تكمن في الإعلان عن قدرة الذكاء الاصطناعي على "التنبؤ المؤكد" بسرطان الثدي فحسب، بل في إعادتها فتحَ سؤالٍ عن دور التكنولوجيا في برامج الفحص الدوري: هل يمكن للخوارزمية أن تعين الطبيب على رؤية علاماتٍ في وقت مبكر، قبل بلوغ حدّ الاشتباه الكافي لإجراء فحوص تشخيصية؟
إشارات تسبق التشخيص
في تصريحات خاصة لـ"النهار"، يقول الباحث الرئيسي للدراسة فريدريك ستراند، طبيب الأشعة والباحث في معهد كارولينسكا ومستشفى كارولينسكا الجامعي في استوكهولم، إن الخلاصة الأهم لغير المتخصصين هي أن علامات سرطان الثدي التي يستطيع الذكاء الاصطناعي رصدها قد تظهر لدى كثيرات من المريضات، قبل سنوات من أن يراها أطباء الأشعة مثيرةً للشك بما يكفي لاستدعاء فحوص سريرية تنتهي بالتشخيص.
ويوضح ستراند أن القيمة السريرية المحتملة لهذه النتائج تتمثل في أن يأخذ أطباء الأشعة مؤشرات الذكاء الاصطناعي في الحسبان عند تقييم صور الفحص الدوري. لكنه يشدّد في المقابل على أن التعامل مع الدرجات المرتفعة ارتفاعاً هامشياً ليس قراراً بسيطاً، إذ يضع الأطباء أمام موازنةٍ دقيقة: بين اكتشاف السرطان في وقت أبكر، وتجنيب نساءٍ غير مصابات فحوصاً وإجراءاتٍ طبية لا لزوم لها.
وهذه النقطة أساسية لفهم الدراسة. فالأنظمة المستخدمة صُمِّمت أصلاً لاكتشاف علامات السرطان، لكن الباحثين لم يجرّبوها على حالات جديدة، بل رجعوا إلى صورٍ قديمة لنساءٍ عرفن لاحقاً أنهنّ أُصبن بالمرض. ثم سألوا: هل كانت الخوارزميات ستلتقط إشارات مريبة في تلك الصور القديمة، قبل أن يُكتشف السرطان فعلاً؟ المهم أنه في ذلك الوقت لم يتّخذ أحد أي إجراء طبي بناءً على قراءة الذكاء الاصطناعي.

لذلك لا يستطيع الباحثون الجزم بما إذا كانت العلامات التي التقطتها النماذج تمثّل سرطاناً مبكراً بالفعل، أم مؤشراتٍ لخطرٍ مستقبلي؛ إذ قد يشترك بعض الأنسجة الطبيعية في خصائص معيّنة مع الأنسجة السرطانية. ويقول ستراند لـ"النهار" إن ما رصدته النماذج "يُرجَّح أن يكون علاماتٍ مبكرة للسرطان، لكنه قد يكون أيضاً مؤشراً لخطرٍ مستقبلي".
ولا يرى أن الخوارزمية تحلّ محلّ طبيب الأشعة، بل يتحدث عن نموذجٍ مساعد، يدمج فيه الطبيب درجة الذكاء الاصطناعي ضمن تقييمه للصورة وحاجتها إلى فحوصٍ إضافية. وقد يقترن ذلك بأنظمة قراءةٍ مختلفة داخل أقسام الأشعة، تُرتب الصور أو قوائم العمل وفقاً لدرجة الاشتباه التي يمنحها الذكاء الاصطناعي.
ومع أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم على نحوٍ متزايد في فحوص سرطان الثدي، فإن هذه الدراسة تضيف بعداً جديداً إلى النقاش، فلم يعد السؤال كيف نكتشف السرطان القائم، بل كيف نقرأ الإشارات المبكرة التي تسبق ظهور الورم بسنوات. غير أن آمال الكشف المبكر تصطدم بتكلفة الإفراط في الفحوص، لذا تبدو المرحلة المقبلة رهينة سؤالٍ يرتبط بمهنة الطب أكثر من ارتباطه بالتقدم التقني؛ كيف يستفيد الأطباء من ذكاء الآلة من دون أن يفقدوا حكمة القرار الطبي؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.
نبض