أطفالنا ليسوا خزائن لحفظ المعلومات

أطفالنا ليسوا خزائن لحفظ المعلومات

العالم اليوم يختبر القدرة على الحكم والتفكير، لا مجرد الذاكرة... وعلى المدارس اللبنانية أن تواكب هذا التحول.
أطفالنا ليسوا خزائن لحفظ المعلومات
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

*د.أنور كوثراني 


يجلس طالب لبناني إلى طاولة المطبخ. يعلو هدير المولّد الكهربائي في الخارج. يضيء هاتفه المحمول دفتر ملاحظاته. مجموعة الصف على تطبيق "واتساب" لا تهدأ من الرسائل، وملخصات الدروس متاحة بضغطة زر، كما أن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على شرح أيّ درس خلال ثوانٍ معدودة. وفي الوقت الذي يتابع فيه دراسته، يأتـيه من الغرفة المجاورة السؤال التقليدي الذي رافق أجيالاً من الطلاب: "هل حفظت الدرس؟".

 

لقد شكّل هذا السؤال، لعقود طويلة، معياراً أساسياً للحكم على عملية التعلّم. فإذا استطاع الطالب تكرار الفقرة مثلما وردت في الكتاب، عُدَّ الدرس مُتقناً. وإذا استعاد التعريف حرفياً، اعتُبر مستعداً للامتحان. لكن طلاب اليوم يعيشون في عالم لم تعد فيه المعلومات نادرة أو صعبة المنال، بل أصبحت متوافرة في كل مكان وفي كل لحظة.

 

وقد لخّص أحد المقاطع القصيرة التي نشرها "إيفر توم صامويل" على منصة فايسبوك هذا التحول بعبارة لافتة: "جيل Z لا يخزّن المعلومات". قد لا تكون هذه العبارة دقيقة تماماً من الناحية العلمية، فالشباب ما زالوا يحتفظون في ذاكرتهم بالأغاني والوجوه والطرقات وكلمات المرور والقصص العائلية، إلا أنها تكشف حقيقة مهمة: فالكثير من المدارس ما زالت تتعامل مع الطلاب باعتبارهم أوعية لتخزين الإجابات، في حين أن الحياة المعاصرة تتطلب مهارات أكثر تعقيداً من مجرد الحفظ.
إن أبناءنا ليسوا خزائن لحفظ المعلومات.

 

تؤكد تصنيفـات "بلوم" التعليمية، وهي من أشهر النماذج التربوية في العالم، أن عملية التعلّم لا ينبغي أن تتوقف عند مستوى التذكّر واسترجاع المعلومات، بل يجب أن ترتقي إلى مستويات أعمق تشمل الفهم والتطبيق والتحليل والتقييم والإبداع. فالذاكرة مهمة بلا شك، لكنها تمثل نقطة البداية لا نقطة النهاية في رحلة التعلّم.

 

وتزداد أهمية هذا التحوّل في الحالة اللبنانية على وجه الخصوص. فطلاب لبنان لم يتعلّموا خلال السنوات الأخيرة في ظروف طبيعية. لقد واجهوا الانهيار الاقتصادي، وانقطاع الكهرباء، وإغلاق المدارس، وإضرابات المعلمين، والنزوح، والحروب. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن طلاب المدارس الرسمية في لبنان تلقوا ما يقارب الـ 270 يوماً فقط من التعليم الحضوري، بدلاً من نحو 600 يوم كان يُفترض أن يحصلوا عليها خلال الفترة الممتدة بين العامين الدراسيين 2019-2020 و2022-2023.

 

كذلك، حذّرت منظمة اليونيسف عام 2025 من أن طفلاً واحداً من بين كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة في لبنان يُقدَّر أنه خارج المدرسة أو خارج عملية التعلّم الفعلية. وأشارت المنظمة أيضاً إلى أن أكثر من نصف مليون طفل وجدوا أنفسهم خارج المدارس نتيجة سنوات متراكمة من الأزمات، وتعطّل التعليم خلال جائحة كورونا، والإضرابات، والحرب.

 

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي (جيميناي)
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي (جيميناي)

 

إن هذه الأرقام ليست مجرد بيانات جامدة في تقرير إحصائي، بل هي قصص حقيقية لأطفال يعيشون في بيروت وطرابلس وصيدا والنبطية وزحلة وبعلبك وعكار والبقاع. وهي كذلك قصص أهالٍ يواجهون أعباء النقل والكتب وتكلفة الكهرباء والمولدات، فيما يتساءلون بقلق عما إذا كان التعليم لا يزال قادراً على حماية مستقبل أبنائهم.

 

ورغم هذه التحديات الجسيمة، ما زالت امتحانات كثيرة تكافئ القدرة على استظهار الفقرات المحفوظة أكثر مما تكافئ التفكير الواضح والتحليل السليم. يقضي الطلاب لياليَ طويلة في تكرار صفحات كاملة قد ينسونها بعد أيام قليلة من الامتحان، لأن النظام التعليمي ما زال يمنح قيمة أكبر لتخزين المعلومات من قيمة إصدار الأحكام والتفكير النقدي.

 

إن المشكلة ليست في أن الطلاب فقدوا القدرة على التعلّم، بل في أن كثيراً من المؤسسات التعليمية لم تدرك بعد أن العالم قد تغيّر.

فالذكاء الاصطناعي بات قادراً على استرجاع التعريفات والمعلومات بسرعة تفوق أيّ طالب، كما تستطيع محركات البحث تلخيص الدروس خلال ثوانٍ معدودة. ولذلك، فإن المستقبل سيكون من نصيب الطالب القادر على طرح الأسئلة الصحيحة: هل هذه المعلومة صحيحة؟ ومن هو مصدرها؟ وما الأدلة التي تدعمها؟ وكيف يمكن تطبيقها في حياتي؟ وماذا أستطيع أن أبتكر انطلاقاً منها؟

 

وهذا التحول لا يقلل من أهمية المعلم، بل يزيدها. ففي عصر أصبحت فيه المعلومات متاحة ورخيصة الكلفة، أصبحت الحكمة أثمن من أي وقت مضى. ثمّ إن دور المعلم ينبغي أن يتطور ليصبح مرشداً يساعد الطلاب على التمييز بين المصادر الموثوقة والمضلّلة، وعلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية، وعلى مقارنة الحجج المختلفة، وربط المعارف النظرية بواقع الحياة اللبنانية.

 

إن لبنان بحاجة إلى إعادة ضبط بسيطة، لكن جوهرية، لمنظومته التعليمية. فالامتحانات ينبغي أن تقيس قدرة الطالب على الشرح والفهم، لا مجرد التكرار والاستظهار. والمدارس مطالبة بتعليم قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي بدلاً من تجاهل وجوده، كما أن على الأهالي أن يستبدلوا سؤال "هل حفظت؟" بسؤال أكثر عمقاً: "ماذا فهمت؟". أما صانعو السياسات العامة، فعليهم أن ينظروا إلى إصلاح التعليم باعتباره جزءاً أساسياً من مشروع التعافي الوطني، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

 

إن بلداً استطاع الصمود أمام هذا الكمّ الهائل من الأزمات لا ينبغي أن يكتفي بتعليم أطفاله إعادة ما هو مكتوب، بل يجب أن يؤهّلهم لإصلاح ما هو معطّل وبناء ما هو مفقود.

ففي الوقت الذي لا تزال بعض الصفوف الدراسية تختبر قوة الذاكرة، فإن العالم خارج أسوار المدرسة يختبر قوة الحكم السليم والتفكير الواعي.
وما دام في لبنان عقول قادرة على التعلّم، فإن فيه مستقبلاً يستحق أن يُنقذ.

*عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.