برينستون تستسلم للمراقبة بعد أن هزم الذكاء الاصطناعي ميثاق الشرف

برينستون تستسلم للمراقبة بعد أن هزم الذكاء الاصطناعي ميثاق الشرف

أعادت برينستون مراقبة الامتحانات لأن الذكاء الاصطناعي كشف ضعف التقييم التقليدي وأزمة الثقة في التعليم العالي.
برينستون تستسلم للمراقبة بعد أن هزم الذكاء الاصطناعي ميثاق الشرف
جامعة برينستون، نيوجيرسي، الولايات المتحدة (الصورة من موقع الجامعة)
Smaller Bigger

*د. أنور كوثراني

لم يكن قرار جامعة برينستون بإعادة مراقبة الامتحانات بعد أكثر من 133 عامًا من الاعتماد على "ميثاق الشرف" مجرد تعديل إداري عابر، بل إشارة عميقة إلى تحوّل يطال جوهر التعليم العالي نفسه في عصر الذكاء الاصطناعي.

 

فبحسب تقرير نشرته The Atlantic، وجدت الجامعة نفسها أمام تصاعد ملحوظ في قضايا النزاهة الأكاديمية المرتبطة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ما دفعها إلى العودة نحو المراقبة بعد عقود طويلة من الثقة المطلقة بين الطالب والمؤسسة التعليمية.

لكن القضية تتجاوز بكثير مسألة "الغش باستخدام التكنولوجيا".
فالذكاء الاصطناعي لم يخلق أزمة التعليم، بل كشف هشاشة جزء من أنظمة التقييم التقليدية التي استمرت لعقود في قياس القدرة على استرجاع المعلومات أكثر من قياس التفكير النقدي، والتحليل، والقدرة على توظيف المعرفة في الواقع.

 

وتكشف الأرقام حجم التحوّل. ففي برينستون، ارتفع عدد الطلاب الذين وُجدوا مسؤولين عن مخالفات أكاديمية من 50 طالبًا في العام الدراسي 2021–2022 إلى 82 طالبًا في 2024–2025، فيما أقرّ 30% من الطلاب بالغشّ الأكاديمي، واعترف 28% باستخدام “شات جي بي تي” في مهام غير مسموح بها، بينما أقرّ 45% بمعرفتهم بحالات غش من دون الإبلاغ عنها. وهي مؤشرات تعكس أن الأزمة لم تعد مرتبطة بحالات فردية، بل بتحوّل أعمق يطال مفهوم الثقة الأكاديمية نفسه.

لقد تغيّرت المعادلة بالكامل.
في الماضي، كان السؤال الأساسي: "هل غشّ الطالب؟" أما اليوم، فأصبح السؤال الأخطر: "هل ما زالت أدوات التقييم الحالية قادرة أصلًا على قياس التعلّم الحقيقي؟"

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي

 

فأدوات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على كتابة النصوص، وتلخيص الأبحاث، وإنتاج إجابات تحاكي الأسلوب البشري بدرجة غير مسبوقة، ما جعل كثيرًا من أساليب التقييم التقليدية تفقد جزءًا كبيرًا من فاعليتها. والأسوأ أن الأزمة لم تعد تقنية فقط، بل بدأت تعيد تشكيل العلاقة بين الطالب والأستاذ على أساس من الشك والمراقبة بدل الثقة الأكاديمية التي قامت عليها الجامعات الحديثة.

 

وقد بدأت جامعات عالمية عديدة بالانتقال نحو نماذج تقييم جديدة تعتمد بصورة أكبر على الامتحانات الشفوية، والمشاريع التطبيقية، ومتابعة مراحل التفكير، بدل الاكتفاء بتقييم المنتج النهائي فقط. لكن التحوّل الحقيقي يتطلّب ما هو أبعد من تعديل أساليب الامتحانات، إذ أصبحت الجامعات مطالبة بإعادة تعريف معنى التعلّم، وقيمة الشهادة، وطبيعة الكفايات التي يحتاجها الإنسان في عصر تتشارك فيه الآلة مع البشر إنتاج المعرفة.

 

وفي لبنان والعالم العربي، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً، في ظل أنظمة تعليمية ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على الحفظ والاسترجاع، بينما يدخل الذكاء الاصطناعي بسرعة إلى الحياة اليومية للطلاب من دون وجود سياسات واضحة تنظّم استخدامه أو تعيد بناء فلسفة التقييم نفسها.

 

في النهاية، لم يعد السؤال كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من دخول التعليم، بل كيف نمنع التعليم نفسه من فقدان معناه في عصر الذكاء الاصطناعي.

 

* عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية