مستقبل العمل: الوظائف لا تختفي بل تتغيّر.. فمن سيبقى؟
تجاوز العالم اليوم مرحلة "هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل البشر؟"، ليستقر أمام سؤال أكثر إلحاحاً: "أي نوع من البشر سيتمكن من البقاء في سوق العمل؟". فبينما كان الذعر المهني يسيطر على العناوين العريضة، بدأت الحقائق ترسم مشهداً مغايراً: فالحكاية ليست "إبادة" للوظائف، بل هي عملية تحول جذري تعيد صياغة العقد الاجتماعي والمهني العالمي.
انكماش زمني وفجوة مهارية
في قراءة مغايرة للمشهد، يرى الدكتور محمد الكيالي، رئيس الاتحاد الدولي للتكنولوجيا والاتصالات (IFGICT)، أننا لا نواجه مجرد تطور تقني عابر، بل "انكماشاً زمنياً" في دورات المهارات. ويؤكد الكيالي في حديثه لـ"النهار" أنه "يجب ردم الفجوة الزمنية لضمان عدم تحول إزاحة الوظائف إلى بطالة دائمة، وهذا يتطلب الانتقال من نموذج التعليم الذي ينتهي ببدء العمل، إلى نموذج التعليم الموازي للعمل بمهنيّة".

فجوة الأجور وتفكيك المهام
التكنولوجيا اليوم لا تكتفي بتغيير المسميات الوظيفية، بل تعمل كأداة لـ"تفكيك المهام". هذا التفكيك، حسب الدكتور الكيالي، قد يؤدي إلى "هشاشة اقتصادية" إذا لم يتم التعامل معه بحذر، حيث يتم تجزئة الأعمال التي يقوم بها الموظف إلى مهام رقمية مؤتمتة.
هذا الواقع يفسر الأرقام في سوق العمل العالمي لعام 2026، وفقاً لبيانات شركة برايس ووترهاوس كوبرز:
علاوة المهارة: الموظفون المتمكنون من أدوات الذكاء الاصطناعي يتقاضون أجوراً تزيد بنسبة 56% عن زملائهم المفتقرين إلى هذه المهارة.
الأفضلية في التوظيف: أصبحت السير الذاتية المعززة بالذكاء الاصطناعي أكثر حظاً بنسبة 8-15% في نيل القبول المبدئي.
وظائف ناشئة في زمن الذكاء الاصطناعي
وفي السياق، ساهم الذكاء الاصطناعي في ولادة قطاعات وظيفية لم تكن موجودة قبل أعوام قليلة، ومن أبرز هذه المهن:- هندسة الأوامر (Prompt Engineering): التي تتطلب مهارات لغوية وتقنية عالية لتوجيه نماذج الذكاء الاصطناعي نحو النتائج المثالية.
- أخصائيو أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: لضمان حيادية الخوارزميات وخلوها من التحيزات العرقية أو الجندرية.
- مدققو المحتوى: الذين يشرفون على المخرجات الرقمية لضمان دقتها ومنع "الهلوسات" التقنية.
- المتخصصون في التكنولوجيا الخضراء: حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين استهلاك الطاقة وإدارة الموارد البيئية.
نحو "عقد اجتماعي" جديد
يوضح الكيالي أن الذكاء الاصطناعي في وضعه الحالي لا يخلق البطالة فحسب، بل "يعيد توزيع القيمة". ويحذر من ترك هذه العملية ليد السوق وحدها، لأن ذلك سيقودنا حتماً نحو الهشاشة.
ولمواجهة هذا التحدي، يقترح الكيالي تحديثاً شاملاً لـ"العقد الاجتماعي"، بحيث تشمل الحماية الاجتماعية والتأمين والتقاعد "الفرد" نفسه وليس "الوظيفة". كما يشير إلى نموذج "ضريبة الإنتاجية الرقمية" الذي بدأت بعض الدول الأوروبية في تقنينه، وهي ضريبة تهدف إلى إعادة تمويل تأهيل الكوادر البشرية وضمان سير الذكاء الاصطناعي ضمن إطار أخلاقي.
ويشدد رئيس الاتحاد الدولي للتكنولوجيا والاتصالات على دور الدولة في ابتكار نماذج للأمان الوظيفي تكون مشروطة بالانتقال المهني.
ويضيف الكيالي: "إذا كانت الشركات تزيد إنتاجيتها عبر الذكاء الاصطناعي وتقلل عمالتها، فواجب الدولة هنا ضمان إعادة استثمار جزء من هذه الأرباح الرقمية في إعادة التأهيل الوطني، لضمان عدم وجود تقصير في الحماية من الأزمات القادمة".
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الآلة، بل في قدرتنا على التشريع والتطوير. فبالتوازي مع "التعلم مدى الحياة" الذي يجب أن يتبناه الفرد، نحتاج إلى تشريعات وأنظمة تعليمية مرنة.
ويلخص الدكتور الكيالي المشهد: "يمكننا بناء اقتصاد يكون فيه الإنسان هو المشرف على الإبداع، بدلاً من أن يكون في وضع منهزم أمام الآلة". المستقبل إذاً لا يمحو الوظائف، بل يطالبنا بإعادة صياغة مكانتنا كبشر في مركز العملية الإنتاجية، مدعومين بتشريعات تحمي الفرد وترتقي بمهاراته.
نبض