الذكاء الاصطناعي يربك الحقيقة
في الأزمات، لا تختفي الحقيقة بقدر ما تُحجب بتراكم الروايات. غير أن الفارق اليوم أن هذا التراكم لم يعد نتيجة الفوضى وحدها، بل بات يُنتَج تقنياً، عبر أدواتٍ قادرة على توليد وقائع كاملة تبدو متماسكة، رغم أنها أحياناً لا أساس لها، أو تُبنى على تحريف رواياتٍ قائمة وإخراجها من سياقاتها.
تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى طرفٍ فاعل في إنتاج المعلومات، لا مجرد قناةٍ لتمريرها. ما يتداول اليوم يتجاوز الخبر إلى بناءٍ سردي متكامل: صور يصعب دحضها، مشاهد مصوّرة بإحكام، وخطابات لم تُلقَ لكنها تُعرض كما لو كانت جزءاً من الوقائع. هذا التدفق يتسارع في لحظات التوتر، بحيث تضيق المسافة بين الحدث وتمثيله. عندها، لا تكون الدقة هي ما يُحسم به الأمر، بل قدرة الرواية على ملامسة تصوّراتٍ مسبقة لدى الجمهور، فيجد كلٌّ ما ينسجم مع ما يخشاه أو يعتقده، بصيغةٍ مقنعة.
غير أن الخطر لا يتوقف عند حدود التضليل نفسه. الأخطر هو ما يخلّفه من أثرٍ طويل الأمد: تآكل الثقة. حين يصبح كل شيء قابلًا للتزوير، يفقد كل شيء صدقيته. الصورة لم تعد دليلًا، والفيديو لم يعد حجة، وحتى "التحقق" نفسه قد يخطئ أو يضلل، حين تعتمد أدواته على الأنظمة ذاتها.
هنا تحديداً تتبدل طبيعة الأزمة. لم نعد أمام صراعٍ بين الحقيقة والكذب، بل أمام واقعٍ تختلط فيه الحدود إلى درجةٍ يصبح فيها الشك هو القاعدة. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الأزمات، بحيث تحتاج المجتمعات إلى وضوحٍ لا إلى مزيدٍ من الالتباس.
في رأيي، المشكلة لم تعد في التكنولوجيا، بل في قابليتنا لتصديقها من دون مساءلة. الذكاء الاصطناعي سيستمر في التقدم، لكن السؤال الحقيقي: هل سيتطور وعينا بالسرعة نفسها؟
في زمنٍ كهذا، لم تعد الحقيقة غائبة فحسب… بل أصبحت مهددةً بأن تُستبدل بالكامل.
نبض