الذكاء الاصطناعي في معادلة القوة الجيوسياسية

الذكاء الاصطناعي في معادلة القوة الجيوسياسية

خلاف واشنطن و"أنثروبيك" يكشف مرحلةً جديدةً في صراع التكنولوجيا العالمي.
الذكاء الاصطناعي في معادلة القوة الجيوسياسية
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

لم يعد القلق من الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة مستمدة من أفلام الخيال العلمي. فهذه التكنولوجيا خرجت من نطاق المختبرات والشركات التقنية لتصبح اليوم قضية سياسية وعسكرية واقتصادية تُناقش في مراكز القرار حول العالم.


في الولايات المتحدة تحديداً، برز في الآونة الأخيرة خلاف لافت بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وشركة "أنثروبيك"، إحدى الشركات البارزة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وقد يبدو هذا الخلاف تقنياً في ظاهره، لكنه يعكس سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل هذه التكنولوجيا: من يضع حدود استخدام الذكاء الاصطناعي عندما يتحول إلى أحد أهم مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين؟

بدأت الأزمة عندما طلبت وزارة الدفاع الأميركية السماح باستخدام نماذج الشركة في مختلف الاستخدامات القانونية، بما في ذلك المجالات العسكرية والأمنية. إلا أن "أنثروبيك" رفضت الطلب، مشيرة إلى جملة من المخاوف المرتبطة بتوسع استخدام هذه التكنولوجيا.

 

فمن جهة أولى، يشير مسؤولو الشركة إلى القدرات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في تحليل كميات هائلة من البيانات الشخصية بسرعة غير مسبوقة، ما قد يفتح الباب أمام أنظمة مراقبة رقمية واسعة النطاق تتجاوز قدرات أجهزة الاستخبارات التقليدية.

 

 

أما المخاوف الأخرى فتتعلق بإمكان تطوير أسلحة مستقلة قادرة على تحليل ساحة المعركة وتحديد الأهداف واتخاذ قرار الهجوم من دون تدخل بشري مباشر. غير أن هذه الأنظمة لا تزال غير مستقرة تقنياً، وقد تتخذ قرارات غير متوقعة في بيئات معقدة، وهو ما يثير قلق عدد متزايد من الباحثين والخبراء في مجال الأمن.

 

 

في المقابل، تنظر إدارة ترامب إلى المسألة من زاوية مختلفة. فقد أعلنت أن الحفاظ على التفوق الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي يمثل أولوية استراتيجية، كما دعا مسؤولون في الإدارة إلى تسريع إدخال هذه التكنولوجيا في القوات المسلحة.

 

ويعكس هذا التوجه تحولاً أوسع في التفكير الجيوسياسي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد يُنظر إليه فقط كمحرك للنمو الاقتصادي، بل كأداة استراتيجية قد تحدد موازين القوة العالمية، على نحو يشبه الدور الذي لعبه السلاح النووي أو سباق الفضاء في القرن العشرين. والدولة التي تنجح في السيطرة على هذه التكنولوجيا قد تمتلك في الوقت نفسه تفوقاً عسكرياً واقتصادياً وإعلامياً واسعاً.

 

غير أن هذه المعادلة تطرح إشكالية واضحة: عندما تتحول التكنولوجيا إلى عنصر حاسم في المنافسة الدولية، غالباً ما يتراجع النقاش حول المخاطر المحتملة أمام منطق السباق نحو التفوق.


وقد بدأت بعض هذه المخاطر تظهر عملياً. فقد كشف خبراء في الأمن السيبراني عن حادثة استخدم فيها قراصنة نموذج ذكاء اصطناعي للمساعدة في اكتشاف ثغرات داخل أنظمة حكومية في المكسيك، ما سمح لهم بالحصول على نحو 150 جيغابايت من البيانات الحساسة، بينها معلومات تتعلق بموظفين حكوميين وناخبين. ولم يكن الذكاء الاصطناعي هو من نفّذ الاختراق نفسه، لكنه ساعد في تحليل الشيفرات واكتشاف نقاط الضعف بسرعة كبيرة، ما يعكس كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تضاعف قدرات الفاعلين في الفضاء السيبراني.


وفي مجال أكثر حساسية، يحذر بعض الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي قد يسهل تصميم مواد بيولوجية خطرة عبر تقنيات هندسة البروتينات، ما قد يؤدي إلى إنتاج سموم جديدة قد يكون اكتشافها أو التعرف إليها أمراً بالغ الصعوبة.

إلى جانب ذلك، يلفت الباحثون إلى ظاهرة أخرى تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في كتابة الأكواد البرمجية التي تُستخدم بدورها لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة، أي أن هذه التكنولوجيا بدأت تشارك جزئياً في بناء الجيل التالي من نفسها. ومع مرور الوقت تصبح هذه الأنظمة أكثر تعقيداً، ما يجعل فهم طريقة عملها أكثر صعوبة حتى بالنسبة للخبراء.

 

في الوقت نفسه، يتسارع السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي من دون قواعد واضحة. فالولايات المتحدة والصين تخوضان منافسة متزايدة لتطوير هذه التكنولوجيا، فيما يخشى كل طرف أن يؤدي التباطؤ إلى فقدان التفوق الاستراتيجي.

 

حتى بعض الشركات التي كانت تدعو سابقاً إلى فرض قيود صارمة بدأت تخفف من هذه القيود تحت ضغط المنافسة، في حين تسمح بعض النماذج مفتوحة المصدر لأي شخص تقريباً بتحميلها وتشغيلها، ما يزيد من صعوبة السيطرة على استخدامها.

 

في هذا السياق، بدأ بعض الباحثين يتحدث عن احتمال وصول العالم إلى ما يشبه "لحظة تشيرنوبل للذكاء الاصطناعي" — حادثة كبيرة مرتبطة بهذه التكنولوجيا قد تكون هجوماً سيبرانياً واسع النطاق أو أزمة اقتصادية مفاجئة أو كارثة أمنية.

لكن التجارب التاريخية تشير إلى حقيقة معروفة: الأنظمة الدولية غالباً ما تتحرك بعد وقوع الأزمات لا قبلها.

 

صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي


ويبقى السؤال الأهم اليوم ليس فقط من سينجح في تطوير أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل من سيضمن أن هذه الأنظمة ستبقى دائماً تحت السيطرة البشرية.

الأكثر قراءة

دوليات 3/12/2026 9:20:00 PM
نتنياهو: حققنا إنجازات كبيرة ضد إيران وحزب الله سيدفع ثمناً باهظاً
لبنان 3/12/2026 7:46:00 PM
تصعيد إسرائيلي يطاول قلب بيروت بغارات على الباشورة وزقاق البلاط والضاحية، وسلام يؤكد العمل لوقف الحرب وسط مخاوف من توسّع الاستهدافات في العاصمة.
لبنان 3/12/2026 8:24:00 PM
إنذار إسرائيلي بإخلاء مبنى في حي العمروسية بالضاحية… ونفي صحة إنذار مماثل في فردان
لبنان 3/12/2026 10:09:00 PM
رحلات الغيت في مطار رفيق الحريري؟