من لبنان إلى إيران... إسرائيل تستخدم الذكاء الاصطناعي في عمليات الاغتيال
شفيق طاهر*
لم تعد الحروب الحديثة تدار فقط بالطائرات والصواريخ وشبكات التجسس التقليدية، بل باتت الخوارزميات نفسها تدخل في قلب قرار القتل. في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الحروب المفتوحة والاغتيالات العابرة للحدود، يتصاعد سؤال مقلق: إلى أي حد بات الذكاء الاصطناعي شريكاً في اختيار الأهداف؟ هذا السؤال يزداد إلحاحاً مع تراكم التقارير والتحقيقات التي تتحدث عن دور متعاظم للأنظمة الذكية في بناء بنك أهداف إسرائيلي من غزة إلى لبنان، وصولاً إلى إيران.
لا تكمن الخطورة في تطور الوسائل التقنية وحدها، بل في ما يعنيه ذلك أخلاقياً وإنسانياً. فعندما تختصر الخوارزمية حياة الإنسان في سلسلة بيانات، وعندما يتحول الاشتباه إلى معادلة رقمية، يصبح الفارق بين الرصد والقتل أضيق من أي وقت مضى. عندها، يصبح السؤال: من يقرر؟ وكيف يقرر؟ ومن يحاسب عندما تخطئ الآلة أو حين يسلم لها القرار تحت غطاء الإشراف البشري؟
الآلة تقترب من قرار القتل
من غزة إلى لبنان، ثم إلى إيران، يتقدم سؤال واحد إلى واجهة الحروب الإسرائيلية الحديثة: هل بات الذكاء الاصطناعي شريكا مباشرا في قرار القتل، لا مجرد أداة مساعدة في جمع المعلومات؟ هذا السؤال عاد بقوة بعد تقارير واتهامات تحدثت عن استخدام إسرائيل أنظمة الذكاء الاصطناعي في اختيار أهداف داخل إيران، وسط حديث متزايد عن تراجع الرقابة البشرية الفعلية على قرار القتل.
في نيسان/أبريل 2024، فجرت تحقيقات صحافية جدلا واسعا بعد الحديث عن استخدام الجيش الإسرائيلي نظام Lavender لتوليد قوائم واسعة من المرشحين للاغتيال في غزة.
وبحسب تلك التحقيقات، اقتصر دور بعض الضباط أحياناً على المصادقة السريعة على توصيات الذكاء الاصطناعي، ما أثار تساؤلات حادة بشأن دور القرار البشري الحقيقي في عمليات القصف والاغتيال.
الاستهداف الخوارزمي يتمدد إقليمياً
في لبنان، برز هذا النمط بوضوح مع تصاعد سياسة الاغتيالات الإسرائيلية خلال حرب 2024، والتي استهدفت قيادات ميدانية وسياسية بارزة في "حزب الله" و "حركة حماس" و "الجماعة الاسلامية"، وصولاً إلى اغتيالات هزت البنية القيادية للحزب.
صحيح أن التقارير المتاحة لا تثبت بصورة مباشرة أن هذه العمليات اختيرت بالذكاء الاصطناعي، لكن الربط بينها وبين ما كشف في غزة لم يعد مجرد فرضية بعيدة، بل صار احتمالاً سياسياً وعسكرياً جدياً.
أما في إيران، فالاتهامات الأخيرة تعيد إنتاج المشهد نفسه على مستوى أكثر خطورة. لم تعد المسألة محصورة في طبيعة الهدف، بل في آلية اختياره، وفي ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يؤدي دوراً حاسماً في تحديد من يراقب، ومن يصنف، ومن يدرج في دائرة الاستهداف. وإذا كانت إسرائيل تصر على أن القرار النهائي يبقى بشريا، فإن منتقديها يرون أن هذا التحكم البشري قد يتحول إلى غطاء شكلي، لا إلى ضمانة فعلية.
في جوهر هذا التحول، لا يتعلق الأمر بإسرائيل وحدها أو بساحة بعينها، بل بمستقبل الحروب نفسها. فحين تصبح الخوارزميات جزءًا من منظومة الاغتيال، يغدو الخطر أكبر من مجرد تطور تقني، إنه انتقال إلى نمط قتال تختزل فيه المسؤولية، وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة: أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تحليل إلى شريك فعلي في قرار القتل، في منطقة تعيش أصلاً على حافة الانفجار الدائم.
*محلل استراتيجي
نبض