الآلة تقيس… والإنسان يقلق

الآلة تقيس… والإنسان يقلق

أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل العمل مولّداً قلقاً وظيفياً جديداً يتطلب توازناً إنسانياً يحفظ كرامة الموظف.
الآلة تقيس… والإنسان يقلق
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

*فيولا مخزوم

حين دخل الذكاء الاصطناعي إلى بيئات العمل، لم يأتِ كأداةٍ تقنيةٍ محايدةٍ فحسب، بل قوة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبمؤسسته وبمستقبله المهني. فرض هذا التحول واقعاً جديداً تجاوز حدود التطوير والإنتاجية ليطاول البنية النفسية للعامل، إذ لم يعد القلق الوظيفي مرتبطاً بقرارات إدارية أو أزمات اقتصادية طارئة، بل أصبح حالة دائمة تنبع من الشعور المستمر بأن القيمة الإنسانية باتت قابلة للاستبدال بخوارزمية أسرع وأدق وأقل تكلفة.

 

غيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة العلاقة بين الموظف والمؤسسة حين نقل مركز الثقل من الثقة المتبادلة إلى المراقبة الذكية والتقييم المستمر. أصبح الموظف يعمل وهو مدرك أن أداءه لا يُقاس بجهده أو إبداعه فحسب، بل ببيانات تُجمع وتُحلّل على مدار الساعة، ما ولّد شعوراً خفياً بالانكشاف الدائم. هذا التحول حوّل بيئة العمل من مساحة إنجاز وتطوّر إلى مساحة اختبار مستمر، تتراجع فيها الطمأنينة النفسية ويزداد فيها الضغط الداخلي حتى في غياب ملاحظاتٍ مباشرةٍ أو عقوباتٍ صريحة.

 

تميّز القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي عن القلق الوظيفي التقليدي بكونه غير محدد المصدر ولا واضح الحدود. فبينما كان القلق سابقاً مرتبطاً بالخوف من الفصل أو انخفاض الدخل، بات اليوم مرتبطاً بفقدان المعنى والدور. يعيش الموظف حالة تساؤل مستمرة حول جدوى مهاراته ومستقبله المهني في عالم تتطور فيه الأنظمة الذكية بوتيرة تفوق قدرة الإنسان على التكيف، ما يجعل القلق أكثر عمقاً وأقل قابليةً للاحتواء.

 

أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف مفهوم الأمان الوظيفي بطريقة غير معلنة، إذ لم يعد مرتبطاً بالعقود أو سنوات الخبرة، بل بالقدرة على مواكبة التغيير الخوارزمي. هذا التحول جعل الأمان حالة موقتة وهشّة، تتآكل مع كل تحديث تقني جديد، ودفعت كثيرين من الموظفين إلى حالة من الاستنزاف النفسي الناتج من السعي الدائم لإثبات الجدارة في نظام لا يتوقف عن إعادة ضبط معاييره.

 

عمّق اعتماد المؤسسات على أنظمة ذكية لتقييم الأداء الشعور بعدم الإنسانية حين اختُزل الأداء الإنساني بمؤشرات رقمية. تجاهلت هذه الأنظمة السياق النفسي والإنساني للعمل، مثل الإرهاق، والضغوط الشخصية، والظروف الطارئة، ما خلق فجوة بين الإنسان والنظام الذي يُفترض أن يخدمه. ومع غياب الشرح الكافي لكيفية عمل هذه الخوارزميات، تحوّل التقييم إلى مصدر خوف بدل أن يكون أداة تطوير.

 

فاقم استخدام الخوارزميات من دون شفافية الأثر النفسي السلبي حين شعر الموظفون أن قرارات مصيرية تُتخذ بناءً على منطق غير مفهوم ولا قابل للنقاش. هذا الغموض ولّد شعوراً بالعجز وفقدان السيطرة، وهو من أخطر مسببات الضغط النفسي المزمن داخل بيئات العمل الحديثة.

 

فرض هذا الواقع على المؤسسات تحدياً أخلاقياً يتمثل في تحقيق توازن حقيقي بين الكفاءة الرقمية وكرامة العامل. لا يتحقق هذا التوازن عبر تقليل الاعتماد على التكنولوجيا، بل عبر إدخال بُعد إنساني واعٍ في تصميم السياسات الرقمية، وإعادة الاعتبار الى دور الموارد البشرية كحاضن نفسي لا كوسيط تقني فحسب.

 

صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

 

 

أثبت بعض النماذج العالمية أن دمج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتم من دون الإضرار بالإنسان حين يُستخدم كأداة دعم لا كبديل قاسٍ. اعتمدت هذه النماذج على إشراك الموظفين في فهم الأنظمة الذكية، وربط التحول الرقمي ببرامج دعم نفسي، وتدريب مستمر، ومساحات حوار مفتوحة، ما ساهم في تخفيف القلق وتعزيز الشعور بالأمان.

 

يشير مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة في بيئات العمل إلى شراكة أكثر تعقيداً لا تُقاس بالكفاءة فحسب، بل بالقدرة على الحفاظ على الإنسان في قلب العملية الإنتاجية. لن يكون نجاح المؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي مرهوناً بمدى تقدمها التقني، بل بقدرتها على حماية الإنسان من التحول إلى مجرد رقم في نظام ذكي بلا روح.

 

*أستاذة جامعية وباحثة في تكنولوجيا التربية والتعليم، مديرة المركز الديموقراطي العربي في لبنان

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
العالم العربي 2/23/2026 8:59:00 PM
نتنياهو يقطع اجتماع الكنيست واستنفار شامل في إسرائيل مع تقارير عن استعداد أميركي لضربة على إيران
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.