إبرة صينية بعقلٍ اصطناعي!
بين إبرةٍ دقيقة ويدٍ خبيرة، يقوم علاجٌ تقليدي على الإحساس والحركة والتفاعل المباشر مع الجسد. لكن ماذا يحدث حين تتدخّل الخوارزميات في هذا المشهد الحساس؟ مع اقتراب الذكاء الاصطناعي من عالم الوخز بالإبر، يفتح بابٌ جديد للنقاش حول حدود التقنية في علاجات لطالما ارتبطت باللمسة الإنسانية.
في الرابع من فبراير/شباط الجاري، أعلنت شركة في مدينة تيانجين، شمال الصين، عن تطوير جهاز شبيه بالقفاز، يمكن التحكّم به عبر موجات دماغ المستخدم، ويتميّز بالقدرة على إجراء الوخز بالإبر في اليدين. ويُفترض أن يساعد هذا الجهاز في تعافي المصابين بالسكتة الدماغية، رغم أنه لايزال في مرحلة التجربة السريرية في مستشفيات محليّة، وفقاً للشركة.
فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدخل إلى علاجات قائمة أصلاً على اللمسة الإنسانية؟
التكنولوجيا تدخل العيادات التقليدية
تندرج هذه الأجهزة ضمن جهود شركات ومسؤولين صينيين لدمج الطب التقليدي بالتكنولوجيا الحديثة. ففي الشهر الماضي، أطلقت الحكومة خطة خمسية لتطوير صناعة أدوية الطب الصيني التقليدي، تتضمن إنشاء مصانع ذكية رقميّة لإنتاج الخلطات، وزيادة البحث والتطوير لإيجاد بدائل من المكوّنات النادرة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف علاجات جديدة.
وقالت الخطة إن الطب الصيني التقليدي هو "جوهرة من جواهر الحضارة الصينية"، ويجب تحديثه وفقاً لـ"إيكونوميست".
ويشهد الطب الصيني التقليدي ازدهاراً كبيراً في الصين، إذ يدعمه الحزب الشيوعي بوصفه مصدر فخر وطني. ويعتبره كثيرون وسيلة للحفاظ على الصحة، ويقدّرون الأسس الفلسفية التي تؤكّد على مقاربة شاملة للصحة، لا تفصل بين الطعام والدواء.
وتضم نحو 90% من المستشفيات العامة عيادات للطب التقليدي، ويعمل فيه نحو 700 ألف ممارس، يستقبلون أكثر من مليار زيارة سنوياً.
ورغم أن عيادات الطب الصيني التقليدي تبدو قديمة الطراز، فإن التكنولوجيا بدأت تتسلل إليها تدريجاً. ففي بعض العيادات، توجد أجهزة استشعار تقيس سرعة النبض وإيقاعه، وتفسّر النتائج. وتساعد روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي الأطباء في اختيار الخلطات المناسبة، كما يقدم تطبيق "ويتشات" نصائح غذائية مبنية على الطب التقليدي للمستخدمين الذين يرفعون صوراً لألسنتهم.
استخدام التكنولوجيا في الطب التقليدي قد يكون منطقياً بالنسبة الى بعض العيادات، فهو أرخص من تدريب طبيب متخصص، ويُحسّن كفاءة استخدام المكوّنات التقليدية، ويقلّل تأثيرها على البيئة. لكن بناء الثقة لدى المرضى يحتاج وقتاً طويلاً، إذ لا يزال كثيرون يفضّلون اللمسة البشرية، خصوصاً في علاجات مثل التدليك.

الذكاء الاصطناعي في الطب: دعم تشخيصي دون استبدال الإنسان
يقول الباحث في الذكاء الاصطناعي رامز القره لـ"النهار": "من الصعب تحديد حدود الذكاء الاصطناعي بدقة. لكنه حتى اليوم محكوم بقيود تشغيلية، ويعتمد على البشر في كثير من تطبيقاته، حتى في الأنظمة الروبوتية التي تستكمل مهمات محددة. أبرز المخاطر هو ما يُعرف بالـ"هلوسة"، والتي قد تكون نتائجها شديدة السوء في المجال الطبي".
بالنسبة إلى توصيف حالة المريض، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة نظرياً. لكن عملية التشخيص الفعلية تعتمد على سلسلة من الأسئلة والأجوبة بين الطبيب والمريض. الأنظمة الحالية تواجه صعوبة مع الحالات النادرة أو المعقّدة، وتعتمد على بيانات تدريب سابقة أو على تحليل مقالات وأبحاث حديثة، ما يجعل جودة المعلومات عاملاً حاسماً، بحسب القره.
الوخز بالإبر... اليد البشرية لا غنى عنها
تقول الدكتورة في العلاج الفيزيائي والاختصاصيّة في الطب البديل فاطمة عباني لـ"النهار" إن "الوخز بالإبر يعتمد على نقاط محدّدة تختلف من شخص لآخر. لذلك، يجب التنبه إلى انزعاج المريض أو تحرّكه، وملاحظة الارتعاش العضلي (Twitching) للتأكّد من الوصول إلى النقطة الصحيحة. وبناءً عليه، لا يمكن تحديد مدى فائدة الآلة في هذا المجال، لكنها قد تتمكن من تنفيذ بعض المهمات بشكل جزئي. من وجهة نظري، أرى أن العمل اليدوي يظلّ هو الأفضل. صحيح أن بإمكان شخص أن يمسك الآلة ويستخدمها، أما أن يقوم الذكاء الاصطناعي بذلك بمفرده، فأعتقد أنه لن يكون فعالًا ولن يحقق النتيجة المرجوة".
ثقة المرضى بين الإنسان والآلة
تقول دينا ب. (30 عاماً) لـ"النهار" إن "الذكاء الاصطناعي يساعد في تحسين الدقّة وتقليل الأخطاء، ويحلّل كميات هائلة من البيانات بسرعة تفوق القدرات البشرية، ويساهم في التشخيص المبكر وتحليل التحاليل المخبرية وتطوير الأدوية والجراحة الروبوتية، لكنه يبقى داعماً للطبيب وليس بديلاً منه، لأنه يجمع ما بين دقة التقنية وخبرة البشر".
بينما يرى محمد شبارو (22 عاماً) أن التواصل البشري يمنح شعوراً بالثقة والراحة، ويعزز الاطمئنان خلال العلاج، وهو عنصر لا يمكن للجهاز أن يعوّضه.
على ما يبدو، يشقّ الذكاء الاصطناعي طريقه في المجال الطبي، لكن الاعتماد الكامل عليه ما زال بعيداً، خصوصاً في علاجات تعتمد على اللمسة الإنسانية والتفاعل المباشر مع المريض.
نبض