هل يصبح الذكاء الاصطناعي المرجع الأوثق للتنبؤ بالمستقبل؟
لم تعد مسابقات التنبؤ بالمستقبل مجرد نشاط للنخبة الأكاديمية أو خبراء الاقتصاد، بل تحولت إلى ساحة تنافس بين البشر والذكاء الاصطناعي. فمع دخول نماذج متقدمة قادرة على تحليل كمّ هائل من المعلومات بسرعة فائقة، بدأت الآلات تحقق نتائج لافتة في توقع أحداث سياسية واقتصادية وثقافية معقدة، ما يطرح تساؤلات جديّة حول من سيكون الأكثر قدرة على استشراف المستقبل في السنوات المقبلة.
وفقاً لتقرير نشر في مجلة The Atlantic، يشهد العالم تحولاً متسارعاً في قدرات الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالمستقبل، إلى درجة قد تجعل حتى أبرز المتنبّئين البشر عرضة للاستبدال خلال سنوات قليلة.
يشير التقرير إلى أن الرغبة في معرفة ما سيحدث لاحقاً رافقت البشر منذ القدم، إذ اعتمدت المجتمعات القديمة على العرافين والمنجمين، بينما تعتمد المجتمعات الحديثة على نماذج رياضية وخبراء تنبؤ يقدمون تقديرات للحكومات والشركات والمؤسسات المالية حول الاقتصاد والطقس والأسواق وحتى الكوارث الطبيعية.
في السنوات الأخيرة، ظهر ما يُعرف ببطولات التنبؤ العالمية، حيث يتنافس خبراء محترفون على توقع أحداث مستقبلية سياسية واقتصادية وثقافية. وتشمل الأسئلة المطروحة في هذه البطولات احتمالات وقوع انقلابات سياسية، أو تغيّر معدلات إزالة الغابات، أو نجاح ألبومات موسيقية، وغيرها من الأحداث المتنوعة التي تقيس القدرة العامة على التنبؤ وليس الخبرة المتخصصة فقط، ويحصل الفائزون على جوائز مالية إضافة إلى مكانة مرموقة بين نخبة المتنبئين.
ومع انتشار أسواق التنبؤ الرقمية مثل Polymarket وKalshi، ازداد الاهتمام العالمي بهذه المسابقات، إذ يشارك مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم في تداول توقعات بمليارات الدولارات شهرياً. وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي بالدخول إلى هذه المنافسات. ففي نهاية عام 2024 لم يتمكن أي نظام ذكاء اصطناعي من تحقيق مراكز متقدمة، وإن كان أداء تلك الأنظمة قد تحسن سريعاً، لتبدأ بالصعود في الترتيب ومنافسة البشر بجدية.
وتستضيف منصة Metaculus ثلاث بطولات سنوياً تُعدّ من أصعب مسابقات التنبؤ. وفي إحدى هذه البطولات، شاركت شركة ناشئة، مقرها في لندن، تُدعى Mantic، بنظام ذكاء اصطناعي للتنبؤ، طُلب منه الإجابة عن 60 سؤالاً تشمل تطورات الحرب في أوكرانيا، والفائز بسباق فرنسا للدراجات، وإيرادات فيلم سينمائي عالمي، واحتمالات فرض الصين قيوداً على تصدير عناصر نادرة، إضافة إلى توقعات حول أحداث سياسية وشخصيات عامة.
بعد تقييم النتائج مقارنة بالواقع، حقق النظام المرتبة الثامنة من بين أكثر من 500 مشارك، وهو أفضل إنجاز لذكاء اصطناعي آنذاك. ثم أطلقت الشركة نسخة مطورة شاركت في بطولة لاحقة واحتلت المركز الرابع، متفوقة حتى على متوسط توقعات جميع المشاركين البشر مجتمعين، ما اعتُبر تقدماً كبيراً في قدرات التنبؤ الآلي.
ويعتمد نظام الشركة على بنية تجمع عدة نماذج لغوية كبيرة تعمل معاً، بحيث يتخصص كل نموذج في نوع معين من البيانات، مثل الانتخابات أو الطقس أو الاقتصاد، قبل دمج نتائجها لإنتاج توقع نهائي. وتزداد دقة هذه الأنظمة بفضل قدرتها على قراءة ومعالجة كميات هائلة من المعلومات بسرعة تفوق البشر بكثير، دون تعب أو تحيزات نفسية.
كما طورت شركات أخرى نماذج تنبؤ متخصصة في مجالات محددة، بينها نموذج صُمم للتنبؤ بسلوك الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، حيث جرى تدريبه على آلاف الأسئلة ذات النتائج المعروفة ليتعلم من أخطائه، وتمكّن لاحقاً من التفوق على نماذج متقدمة في توقع تصرفاته المستقبلية.
ويشير التقرير إلى أن عام 2026 قد يكون مفصلياً في هذا المجال، إذ تشارك أنظمة ذكاء اصطناعي مطورة في بطولات جديدة؛ وإذا تمكن أحدها من الفوز بالمركز الأول فسيعدّ ذلك بداية عصر تصبح فيه الآلات أفضل من البشر في استشراف المستقبل.
لكن بعض المتنبئين البشر يرون أن هذا التحول بات قريباً، حيث تشير تقديراتهم إلى احتمال يتجاوز الـ 95% بأن يتفوق الذكاء الاصطناعي على أفضل فرق المتنبئين البشر قبل عام 2030. وعلى الرغم من ذلك، يبدي كثير منهم إعجاباً بقدرات الذكاء الاصطناعي، مشيرين إلى أنه أقلّ عرضة للتحيز، وأكثر قدرة على متابعة الأخبار وتحليلها فور حدوثها، ولا يتعلق بتوقعاته السابقة.
ويخلص التقرير إلى أن العالم قد يدخل مرحلة يعتمد فيها البشر بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي لمعرفة ما قد يحدث مستقبلاً، حتى لو لم يفهموا تماماً كيف توصل إلى تلك التوقعات.
نبض