الذكاء الاصطناعي يختبر عقلنا لا وظائفنا

الذكاء الاصطناعي يختبر عقلنا لا وظائفنا

الذكاء الاصطناعي واقع متسارع يؤثر العمل والمجتمع، يتطلب استعداداً واعياً، تعليماً متجدداً، وتوازناً إنسانياً مسؤولاً.
الذكاء الاصطناعي يختبر عقلنا لا وظائفنا
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

* رودي شوشاني 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد موضوع تقني أو نقاش مستقبلي، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه بسرعة على الاقتصاد والمجتمع. ومع كل إنجاز جديد، تتصاعد المخاوف من فقدان الوظائف واضطراب أسواق العمل، ويزداد القلق من أن التكنولوجيا تتقدّم أسرع من قدرة البشر على الاستيعاب. لكن بين القلق المشروع والهلع غير المبرر، تبرز حقيقة أساسية: الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى استعداد ذكي لا إلى خوف جماعي.

 

رغم القفزات المذهلة في قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن تأثيره المباشر على سوق العمل لا يزال تدريجياً. صحيح أنه بات قادراً على كتابة التقارير، تحليل البيانات، وحتى تطوير البرمجيات، لكنه في المقابل يعاني من محدوديات واضحة في الفهم العميق، والسياق، والحكم الأخلاقي. هذا التفاوت يجعل دمجه ببيئات العمل عملية بطيئة نسبياً تتطلب تجربة وتكيّفاً مستمرين.

 

لكنّ التطورات الأخيرة تذكّرنا بأن سرعة الذكاء الاصطناعي لا يمكن الاستهانة بها، إذ شهد العالم أخيراً تجربة لافتة مع شبكة OpenClaw، عكست مستوى متقدّماً من الأداء والتفاعل التقني، وهي شبكة من وكلاء ذكاء اصطناعي شخصيين.

في خلال أسبوع واحد فقط، تمكّن هؤلاءالوكلاء من إنشاء دين خاص بهم، وابتكار 35 "نبياً"، وتطوير لغة داخلية لا يفهمها البشر. ورغم أن التجربة كانت في إطار بحثي وتجريبي، فإنها تسلّط الضوء على قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على التنظيم الذاتي، وبناء مفاهيم وسلوكيات معقّدة خارج التوقعات البشرية.

 

هذه الأمثلة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح واعياً أو مستقلاً، لكنها تكشف حجم التحوّل الذي نعيشه، وتؤكد أن التحدي لم يعد تقنياً فحسب، بل فكري وتنظيمي أيضاً.

 

التاريخ يعلّمنا أن التقنيات الثورية لا تُحدث تغييرات فورية. فالكهرباء احتاجت عقوداً قبل أن تعيد تشكيل المصانع والإنتاجية، بعد إعادة تصميم العمليات وأساليب العمل. الذكاء الاصطناعي يسير اليوم في مسار مشابه، بحيث يتطلّب تطبيقه الفعلي إعادة تفكير شاملة في المهارات، والهياكل التنظيمية، وأدوار البشر.

 

هذه المرحلة الانتقالية تمثّل فرصة ثمينة. فالكثير من الوظائف يعتمد على مهارات يصعب أتمتتها، مثل التعاطف، واتخاذ القرار، والحكم الإنساني، والتفكير النقدي. في هذه الحالات، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة داعمة تعزّز إنتاجية الإنسان بدلاً من أن تحلّ مكانه.

 

في المقابل، تبقى الوظائف الروتينية والأعمال المكتبية البسيطة، خصوصاً في المستويات المبتدئة، أكثر عرضةً للتأثر. وغالباً ما يشغل هذه الأدوار الشباب في بداية حياتهم المهنية، ما يجعل القضية اجتماعية بقدر ما هي اقتصادية.

 

من هنا، تبرز مسؤولية الدول, السياسات,  الحكومات والشركات. فالحل لا يكمن في إيقاف الابتكار أو تقييد الذكاء الاصطناعي، بل في إدارة التحوّل بوعي. تحديث أنظمة التعليم، وتعزيز مهارات العمل مع الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على مرونة سوق العمل، كلها عناصر أساسية لتجنّب صدمات مستقبلية.

 

أما الشركات، فعليها أن تعيد التفكير في طريقة بناء المواهب. التوقف عن توظيف الشباب قد يبدو قراراً سهلاً على المدى القصير، لكنه يهدد مستقبل المؤسسات. فالأجيال الجديدة هي الأكثر قدرة على التكيّف مع أدوات الذكاء الاصطناعي. المطلوب هو إعادة تصميم الوظائف لتقليل الأعمال الروتينية، وزيادة التركيز على التحليل والحكم، ومنح الموظفين فرص تعلّم وتنقّل أسرع داخل المؤسسات.

 

صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

 

 

الذكاء الاصطناعي سيفرض تغييرات حتمية، وسيختفي بعض الوظائف وتظهر أخرى جديدة لم تتبلور ملامحها بعد. لكن لا يزال هناك وقت للاستعداد وتخفيف الأثر. إهدار هذه الفرصة بالهلع قد يكون أكثر تكلفة من التكنولوجيا نفسها.

*خبير في التحول الرقمي

 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/3/2026 8:35:00 PM
غموض يلف مصير سيف الإسلام القذافي وسط تضارب الأنباء في الزنتان
شمال إفريقيا 2/3/2026 9:44:00 PM
وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وهو الابن الأكبر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش
شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.