كيف يصنع الذكاء الاصطناعي وهم الفهم؟

كيف يصنع الذكاء الاصطناعي وهم الفهم؟

الذكاء الاصطناعي يحاكي التفكير عبر تعلّم إحصائي بلا وعي ويغيّر العمل والقرار وبقاء الدور الإنساني
كيف يصنع الذكاء الاصطناعي وهم الفهم؟
صورة تعبيرية.
Smaller Bigger

يرتبط الجدل حول الذكاء الاصطناعي اليوم بسؤال مركزي: هل ما نراه من أداء متقدّم هو شكل من أشكال التفكير، أم نتيجة حسابات احتمالية بالغة التعقيد؟ هذا السؤال يشكّل مدخل الحديث الذي قدّمه الدكتور محمد إسماعيل، الباحث والمدرّب في التحول الرقمي، في سياق حديثه لـ"النهار"، حيث شدّد على ضرورة التمييز بين الانطباع الذي تخلّفه مخرجات هذه الأنظمة، وبين طبيعتها الفعلية القائمة على التعلّم الإحصائي لا الوعي أو الفهم الإنساني.

 

من البرمجة الصارمة إلى تعلّم الأنماط


يوضح إسماعيل أن البرمجيات التقليدية كانت تعتمد على منطق مكتوب سلفاً، حيث يحدّد المبرمج للحاسوب كل خطوة محتملة: إذا حصل أمر معيّن، ينفّذ النظام إجراءً محدداً.

أما اليوم، فقد تغيّر النموذج جذرياً. فالأنظمة الحديثة لا تُزوَّد بقواعد جاهزة، بل تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات، ما يمكّنها من تعلّم الأنماط والعلاقات الإحصائية الكامنة داخلها.

عملياً، لا يبحث الذكاء الاصطناعي عن الإجابة عبر مسار منطقي محدّد، بل يتنبأ بالنتيجة التالية اعتماداً على احتمالات مستخلصة من خبرته التدريبية. فعند إنتاج نص، مثلاً، لا «يشعر» النظام بالكلمة التالية، بل يحسب أي كلمة تمتلك أعلى احتمال للظهور في السياق المعطى.

ويشير إسماعيل إلى أن هذا الأسلوب يسلّط الضوء على جانب مهم من الذكاء البشري نفسه، إذ إن كثيراً مما نعدّه "حدساً" أو سرعة بديهة لدى الإنسان يقوم أيضاً على التعرف إلى الأنماط المتراكمة عبر الخبرة، مع فارق جوهري يتمثل في الوعي والإدراك الإنساني.

 

صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

 

تعلّم حقيقي أم إحصاء متقدّم؟


أحد أكثر الأسئلة شيوعاً في هذا المجال يتمحور حول ما إن كان الذكاء الاصطناعي "يفهم" فعلاً. ويؤكد إسماعيل أن الجواب العلمي واضح: هذه الأنظمة لا تمتلك فهماً أو وعياً.

لكنها، في المقابل، قادرة على التعميم، أي إنها لا تكتفي بحفظ البيانات، بل تتعلّم العلاقات الداخلية بينها، وتطبّقها على مسائل جديدة لم تواجهها سابقاً.

من هنا يظهر ما يُعرف بـ"القدرات الناشئة"، حيث ينجح النظام في أداء مهام لم يُبرمج عليها مباشرة، مثل تلخيص نصوص معقّدة أو حل مسائل متعددة الخطوات. ويشرح إسماعيل أن هذا الأداء لا يعود إلى فهم المفاهيم، بل إلى اكتشاف أنماط رياضية ولغوية قابلة لإعادة الاستخدام.

وبناءً على ذلك، فإن الخط الفاصل الحقيقي ليس بين الفهم والإحصاء، بل بين الحفظ الآلي وبين القدرة على التعميم والاستدلال الاحتمالي.


عصر التسارع الرقمي وتأثيره على الحياة اليومية


يرى إسماعيل أن الذكاء الاصطناعي يقف اليوم في صلب مرحلة غير مسبوقة من التسارع الرقمي، مع انعكاسات مباشرة على مختلف جوانب الحياة.

في سوق العمل، لم تعد الأتمتة مقتصرة على الأعمال اليدوية، بل امتدت إلى المهام الذهنية، مثل تحليل البيانات، إعداد التقارير، وتصميم الحلول، حيث باتت أنظمة ذكية قادرة على إنجازها في ثوانٍ.

أما في مجال اتخاذ القرار، فيتزايد الاعتماد على أدوات تحليل وتوصية تعتمد على معالجة كميات ضخمة من البيانات. غير أن هذا الواقع، بحسب إسماعيل، يفرض مهارة جديدة على الإنسان، تتمثل في التفكير النقدي ومراجعة مخرجات النظام، لا اتباعها بنحو آلي.

وفي مقابل تقدّم القدرات الحسابية للآلة، يتعزّز دور الإنسان في المجالات التي لا يمكن اختزالها إلى أرقام، مثل التقييم الأخلاقي، تحديد الأولويات، الفهم السياقي العميق، واتخاذ القرارات ذات البعد الإنساني.

يخلص الدكتور محمد إسماعيل إلى أن ما نطوّره اليوم ليس "عقولاً" بالمعنى البشري، بل أنظمة قادرة على التعلّم الإحصائي واستخلاص الأنماط من بيانات البشر الجماعية. هذه الأنظمة لا تفكّر ولا تشعر، لكنها تحاكي بعض نتائج التفكير عبر نماذج رياضية متقدّمة.

ويذكّر الذكاء الاصطناعي، في نهاية المطاف، بحقيقة أساسية: الذكاء لا يقوم دائماً على منطق صريح وخطوات واضحة، بل كثيراً ما يتمثل في القدرة على اكتشاف الأنماط وربط النقاط بسرعة. الفارق أن الإنسان يفعل ذلك بوعي وتجربة حياتية، بينما تقوم به الآلة عبر الاحتمالات والخوارزميات.

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.