المحكمة تحاكم التوقيع… لا الخوارزمية
* عيسى المعاني
مع تمدّد أدوات الذكاء الاصطناعي إلى قلب العمل القانوني، من البحث والصياغة إلى إعداد المذكرات، لم تعد المشكلة في "التكنولوجيا" بحد ذاتها، بل في لحظة انتقال المسؤولية من الإنسان إلى الأداة من دون تدقيق، هنا تحديداَ تتدخل المحاكم لا لتمنع الابتكار، بل لتعيد تثبيت قاعدة قديمة بثوب جديد: من يوقّع المذكرة يتحمّل تبعاتها.
في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، سجّلت محكمة مركز قطر للمال سابقة لافتة في قضية Jonathan David Sheppard v Jillion LLC: ممثل قانوني قدّم للمحكمة سوابق قضائية "منسوبة" إلى المحكمة لكنها غير موجودة أصلاً، ثم لم يُبادر إلى تصحيح فوري شفاف، ما دفع المحكمة إلى اعتبار السلوك متجاوزاً لخطأ بحثي أو سهو مهني، ومؤشراً على انعدام شفافية بقصد تضليل المحكمة عبر "سلطات وهمية"، وانتهت إلى ثبوت ازدراء المحكمة.
هذه الواقعة لم تُقرأ في الدوحة كحدث معزول، بل كإنذار مؤسسي، إن كانت المرافعة هي "لغة الحقيقة" داخل القضاء، فإن إدخال مخرجات غير متحقّق منها يهدد الثقة بالنظام القضائي نفسه، لذلك، وفي 6 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت محكمة قطر الدولية ومركز تسوية المنازعات (QICDRC) إصدار التوجيه العملي رقم (1) لعام 2026 مع إرشادات ممارسة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإجراءات القضائية، واضعةً إطاراً شاملاً ينظّم استعمال هذه الأدوات أمام محكمة مركز قطر للمال والهيئة التنظيمية.
ماذا أضافت "توجيهات 2026" عملياً؟
أولًا: واجب تحقّق مستقل لا يقبل التفويض، التوجيه يذكّر صراحة بأن دور المحكمة ليس "تصحيح أخطاء البحث" للمحامين؛ وبناءً على ذلك يُعاد تثبيت التزام المحامي بالتحقق من الدقة والأصالة في جميع الدفوع والمراجع، ولا سيما عند استخدام أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: مسؤولية كاملة عن سلامة المذكرات، الرسالة هنا حاسمة: حتى لو ساعدت الأداة في الصياغة أو البحث، يبقى الممثل القانوني مسؤولاً عن صحة المنطق القانوني، وسلامة المصادر، وخلو المستند من التحريف أو الخداع، هذه ليست "نصيحة" بل معيار مساءلة.
ثالثًا: السرية وحماية البيانات خط أحمر، التوجيه شدّد على منع إدخال أي معلومات سرّية أو محمية أو مشمولة بامتياز قانوني في أدوات ذكاء اصطناعي متاحة للجمهور، مع التنبيه إلى أن أي خرق قد يفتح باب عقوبات تأديبية وفق القواعد المعمول بها.
رابعاً: شفافية "عند الطلب" مع قابلية التدقيق، اللافت أن الإفصاح المسبق عن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس إلزامياً كقاعدة عامة، لكن المحكمة تملك سلطة طلب تحديد الأجزاء التي أُعدّت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وشرح خطوات التحقق المتخذة لضمان الدقة والامتثال الأخلاقي، هذه صيغة ذكيّة: لا تجرّم الاستخدام، لكنها تجعل "الأثر" قابلاً للفحص.

لماذا يتجاوز أثر قطر حدودها؟
لأنه في المشهد العالمي هنالك محاكم في الولايات المتحدة فرضت عقوبات على محامين اعتمدوا على سوابق مختلقة ظهرت عبر أدوات توليدية كما في (Mata v. Avianca) وفي إنكلترا وويلز، خرج تحذير قضائي واضح من أن الاستناد إلى قضايا غير موجودة قد يرقى إلى ازدراء المحكمة، بل وقد يلامس شبهة جنائية في الحالات الأشد.
هنا تظهر دلالة الانتشار: ليست المشكلة في "ضعف ذكاء" الأداة فقط، بل في فجوة حوكمة داخل المهنة، بين سرعة تبنّي الأدوات داخل المكاتب، وبطء تحويل الواجبات المهنية التقليدية (عدم التضليل، العناية الواجبة، السرية) إلى بروتوكولات عمل واضحة قابلة للإثبات، وما فعلته قطر عملياً أنها نقلت النقاش من "التوعية" إلى "التقنين الإجرائي".
خلاصة القول هنا أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الكفاءة ويخفض التكاليف، لكن بشرط واحد غير قابل للتفاوض: المحكمة لا تحاكم الخوارزمية… بل تحاكم صاحب التوقيع.
* محامٍ ومستشار قانوني متخصّص في القانون التجاري وتنظيم البيانات والذكاء الاصطناعي
نبض