على حدود أوروبا... من يراقب الخوارزميات قبل أن تراقب المهاجرين؟

تكنولوجيا 09-07-2026 | 08:04

على حدود أوروبا... من يراقب الخوارزميات قبل أن تراقب المهاجرين؟

الاتحاد الأوروبي يؤجل ضوابط الذكاء الاصطناعي في الهجرة واللجوء وسط تحذيرات من مخاطر تهدد الحقوق الأساسية.
على حدود أوروبا... من يراقب الخوارزميات قبل أن تراقب المهاجرين؟
الاتحاد الأوروبي يُرجئ تطبيق التزامات أساسية إلى 2 كانون الأول/ديسمبر 2027. (أرشيف)
Smaller Bigger

لا تبدو معركة قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي تقنية بحتة حين تصل إلى ملف الهجرة واللجوء والحدود. فهناك، حيث يطلب شخص حماية دولية، أو يعبر مسافر من خارج الاتحاد نقطة تفتيش، أو تُفحص بصمته أو صورته أو ملف تأشيرته، لا يعود خطأ البرنامج الحاسوبي مجرد خلل تقني، بل قد يتحول إلى تنبيه أمني، أو خطأ في مطابقة البصمة أو ملامح الوجه، أو قرار يمسّ حق الشخص في الدخول أو اللجوء أو البقاء.

 

من هنا، تبرز مفارقة أوروبية حادة: يصنّف قانون الذكاء الاصطناعي عدة أنظمة مستخدمة في الهجرة واللجوء ومراقبة الحدود باعتبارها "عالية المخاطر"، أي قادرة على إلحاق ضرر جدي بحقوق الناس. لكنه، بعد حزمة تعديلات عُرفت بـ"أومنيبوس الذكاء الاصطناعي"، أرجأ تطبيق التزامات أساسية على هذه الأنظمة إلى 2 كانون الأول/ديسمبر 2027، بعدما كان مخطط تطبيقها مطلع آب/أغسطس المقبل.

 

وبين الاعتراف بالخطر وتأجيل المساءلة، تتسع مساحة رمادية يعيش في داخلها الأشخاص الأقل قدرة على فهم التكنولوجيا أو الاعتراض على أثرها.

 

مساءلة مؤجلة


في ردّ مكتوب لـ"النهار"، قالت منظمة الحقوق الرقمية الأوروبية (EDRi) إن المشكلة الأساسية في التأجيل أنه يطال "المجالات التي يملك فيها الناس أقلّ قدرة على تحدّي التكنولوجيا"؛ فالالتزامات المؤجلة ليست تفاصيل إجرائية، بل تشمل إدارة المخاطر، وجودة البيانات التي تتغذّى عليها الأنظمة، والتوثيق التقني، ووجود إشراف بشري على قرارات الآلة، والدقة، والأمن السيبراني، وتقييم الأثر على الحقوق الأساسية.

 

وتحذّر المنظمة من أن بعض الشركات المزوّدة قد تسارع إلى طرح أنظمتها قبل الموعد الجديد، تفادياً للخضوع الكامل لهذه الالتزامات، ما لم تُعدَّل لاحقاً تعديلاً جوهرياً.

 

المفتاح القانوني هنا بند في القانون (النقطة السابعة من الملحق الثالث) يصنّف كعالية المخاطر أنظمةً شبيهة بأجهزة كشف الكذب التي تحاول تقييم صدق أقوال الشخص، وأدوات تقدّر "درجة الخطورة" الأمنية أو المرتبطة بالهجرة غير النظامية، وبرمجيات تساعد في فحص طلبات اللجوء والتأشيرة والإقامة، وأدوات تعرف الأشخاص عند الحدود. 

 

لكن EDRi تشدد على أن هذا التصنيف لا يجعل النظام قانونياً تلقائياً، إذ يظل ملزماً بقوانين اللجوء وحماية البيانات وعدم التمييز، ومبدأ حظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للخطر.

 

في المقابل، قالت وكالة الاتحاد الأوروبي لإدارة الأنظمة المعلوماتية الكبرى (eu-LISA)، التي تشغّل قواعد البيانات الأوروبية الضخمة الخاصة بالحدود والهجرة، في ردها على "النهار"، إنها لا تتخذ قرارات فردية في ملفات الهجرة؛ فالقرار للسلطات الوطنية في كل دولة، فيما تتضمن الأنظمة وظائف تعمل آلياً، كمطابقة البصمات وصور الوجه مع قواعد البيانات.

 

لكنها أوضحت بأنها غير مخوّلة بفحص بيانات الأفراد أو تصحيحها، وأن على المتضرر التوجه إلى السلطة التي أدخلت بياناته. وهنا تظهر معضلة تشتّت المساءلة: من يدير البنية التقنية ليس من يقرر، ومن يقرر يعتمد على نتائج قد لا يفهمها الشخص المتأثر ولا يعرف كيف يراجعها.

 

"أرض اختبار" على أجساد المهاجرين


أما بترا مولنار، المديرة المشاركة لمختبر قانون اللاجئين في جامعة يورك الكندية، ومؤلفة كتاب "The Walls Have Eyes" (للجدران عيون، 2024)، فترى في حديثها لـ"النهار" أن فهم الأثر الإنساني يتطلب النظر إلى رحلة الهجرة كاملة: فقبل السفر، تفرز برمجيات آلية طلبات التأشيرة وتصنّف أصحابها؛ وتذكّر بأن وزارة الداخلية البريطانية تخلّت عن خوارزمية لفرز التأشيرات بعد دعاوى قضائية أظهرت أنها ترسّخ التمييز على أساس الجنسية.
صورة: بترا مولنار، المديرة المشاركة لمختبر قانون اللاجئين في جامعة يورك الكندية

وعند الحدود، تتوسع الطائرات المسيّرة فوق المتوسط وبحر إيجه، والكاميرات والمستشعرات داخل مخيمات اللجوء في الجزر اليونانية. وبعد الوصول، يأتي تسجيل البصمات وملامح الوجه، واستخراج بيانات الهواتف "للتحقق" من روايات طالبي اللجوء في ألمانيا والدنمارك، وبرمجيات تحلل لهجة المتحدث لتخمين بلده الأصلي، وهي تقنية يقول لغويون إنها شديدة عدم الدقة رغم عواقبها على مصائر الناس.

 

وتذهب مولنار أبعد من ملاحظة التأجيل؛ فالهجرة، بتعبيرها، هي "المنطقة القربانية" في القانون؛ فبحسبها، مُنحت الأنظمة المستخدمة في قواعد البيانات الكبرى، مثل قاعدة بصمات طالبي اللجوء (Eurodac) ونظام تصاريح السفر (ETIAS)، مهلاً تمتد إلى 2030، فيما استُثني الأمن القومي كلياً، وهو تحديداً الإطار الذي تُنشر تحته معظم تقنيات الحدود.

 

بترا مولنار، المديرة المشاركة لمختبر قانون اللاجئين في جامعة يورك الكندية
بترا مولنار، المديرة المشاركة لمختبر قانون اللاجئين في جامعة يورك الكندية

 

 

وتشير إلى ما تسميه "ثغرة التصدير": لا شيء في القانون يمنع الشركات الأوروبية من أن تبيع خارج أوروبا أنظمة مراقبة يقيّدها القانون داخلها، وهو ما يهم المنطقة العربية بالنظر إلى اتفاقات الهجرة الأوروبية مع دول في شمال أفريقيا.

 

وترى مولنار أن المهاجرين يتحولون إلى ما يشبه "حقل تجارب" لتقنيات تُختبر عليهم أولاً، ثم تصبح لاحقاً أمراً عادياً يطبَّق على الجميع. ويبقى السؤال الجوهري في نظرها ليس كيف تُراقَب الهجرة بالذكاء الاصطناعي، بل كيف يستطيع إنسان أصلاً أن يعرف ما حدث له، وأن يعترض عليه، إذا أخطأت الآلة في حقه؟

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/7/2026 7:21:00 PM
المتحدث باسم الداخلية السورية كشف عن الوصول لطرف خيط يدل على منفذي التفجيرات.
لبنان 7/8/2026 2:50:00 AM
عملت فرق الإسعاف على نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة...
النهار تتحقق 7/7/2026 3:52:00 PM
حمل رجال مجسماً كبيراً للأمين العام لحزب الله، يتقدمهم عسكري، على وقع موسيقى حزينة.
النهار تتحقق 7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.