لماذا ترفض المؤسّسات الإعلامية أرشفة الويب الذكيّة… وأين يقف الإعلام العربي؟
في ظل تصاعد النزاعات بين شركات الإعلام الكبرى وشركات الذكاء الاصطناعي، برزت تساؤلات جوهرية حول حدود الاستخدام العادل، وحق المؤسسات في حماية إنتاجها الصحافي. هذه الإشكالية لا تعكس صراعاً تقنياً فحسب، بل تكشف عن تحوّل عميق في العلاقة بين الإعلام والتكنولوجيا، حيث تتداخل المصالح بين التعاون والمنافسة في آن واحد.
أزمة الحقوق بين الإعلام والذكاء الاصطناعي
انضمّت مؤسسات إخبارية كبرى، من بينها "سي إن إن"، و"إن بي سي"، و"يو إس إيه توداي"، إلى حراك تقني يهدف إلى الحد من تخزين محتواها في أرشيفات الويب التي تعتمد عليها شركات الذكاء الاصطناعي لتدريب روبوتات الدردشة.
ووفقاً لما نقلت "بلومبرغ"، فإن هذه الوسائل الإعلامية تأتي ضمن مجموعة تضم 20 ناشراً اختاروا عدم حفظ محتواهم في المستودع الرقمي الذي تديره منظمة "كومن كرول Common Crawl" غير الربحية. وقد وجّه تحالف وسائل الإعلام الإخبارية (News/Media Alliance)، الذي يمثل مجموعة واسعة من الصحف والمجلات، خطاباً إلى المنظمة يحثها فيه على احترام طلبات الناشرين بإزالة محتواهم من مواقعها، ومنع الاستخدام غير المصرح به لأعمالهم في أغراض الذكاء الاصطناعي.
من جانبها، كانت دانييل كوفي، الرئيسة التنفيذية للتحالف، قد صرحت بأنها اكتشفت الاستخدام الواسع لبيانات "كومن كرول" في تدريب الذكاء الاصطناعي قبل نحو ثلاث سنوات، مضيفةً في مقابلة: "نحن نعتبر هذا النوع من استخدام محتوانا دون إذن انتهاكاً صريحاً لحقوق الطبع والنشر".

بين الدعاوى والاتفاقيات
تعتمد "كومن كرول" على بوتات تجوب شبكة الإنترنت لتحميل البيانات وإنشاء أرشيف رقمي متاح للجميع. وقد استفادت شركات مثل "أوبن إيه آي"، و"غوغل"، و"ميتا" من هذا الكنز المعلوماتي لتطوير روبوتات مثل "شات جي بي تي". وتلقت المنظمة تبرّعات من شركات ذكاء اصطناعي كبرى، مثل "أوبن إيه آي".
وتتزايد مخاوف المؤسسات الإخبارية من أن تؤدي نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى سرقة محتواها، وتقليص زيارات مواقعها، ما يكبّدها خسائر كبيرة في عوائد الإعلانات.
وفي هذا السياق، رفعت شركة "نيويورك تايمز" دعوى قضائية ضد "مايكروسوفت" و"أوبن إيه آي" بتهمة انتهاك حقوق الملكية، مطالبة بمليارات الدولارات كتعويضات، مشيرة إلى أن مقالاتها جُمعت من الويب ونُسخت حرفياً تقريباً في ردود الروبوتات. وعلى الجانب الآخر، اختارت شركات مثل "أكسل سبرينغر" و"كوندي ناست" توقيع اتفاقيات ترخيص مربحة تسمح لشركات التكنولوجيا باستخدام محتواها بشكل قانوني.
أين الإعلام العربي؟
في خضم التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، يجد الإعلام العربي نفسه أمام اختبار حقيقي لقدراته على التكيّف والدفاع عن حقوقه. فبينما انتقلت المؤسسات الغربية إلى ساحات القضاء وعقد الاتفاقيات، لا يزال المشهد العربي في طور الوعي والتجريب، يراوح بين الحذر والتردد، وبين الاستفادة من التكنولوجيا والخشية من آثارها.
إن استمرار هذا الوضع قد يضعف موقع الإعلام العربي في الاقتصاد الرقمي الجديد، خاصة إذا بقي محتواه عرضة للاستخدام دون تنظيم أو مقابل عادل. لذلك، لم يعد كافياً الاكتفاء بالإجراءات التقنية المحدودة، بل تبرز الحاجة إلى تحرك جماعي يشمل تطوير الأطر القانونية، وبناء تحالفات إعلامية إقليمية، والانخراط في مفاوضات مباشرة مع شركات التكنولوجيا لضمان حماية الحقوق وتحقيق التوازن بين الابتكار والاستدامة.
في النهاية، لا تتعلق القضية برفض الذكاء الاصطناعي أو القبول به، بل بكيفية إدارة العلاقة معه. فالإعلام العربي أمام فرصة كي لا يكون مجرد مصدر بيانات يُستَخدم بصمت، والقدرة على حسم هذا الدور ستحدد مكانته في مستقبل تتداخل فيه الصحافة مع الخوارزميات بشكل غير مسبوق.
نبض