محطات الأرقام: سلاح استخباراتي قديم يعود في زمن التوتر مع إيران
وسط التوترات العسكرية الأخيرة حول إيران، ظهرت ظاهرة لافتة على موجات الراديو القصيرة. صوت رجل يتحدث بالفارسية، يُكرر كلمة تنبيه، قبل أن يبدأ بقراءة سلسلةٍ من الأرقام.
بالنسبة إلى معظم الناس، قد يبدو الأمر مجرّد بثٍّ عشوائي أو تجربةٍ تقنية غامضة. لكن بالنسبة إلى المتابعين لعالم الاستخبارات، فهذا النمط معروف جيداً. إنه ما يُعرف بـ"محطات الأرقام"، وهي وسيلة استخدمتها أجهزة التجسس منذ عقود للتواصل مع عملائها في الخارج.
الفكرة في جوهرها بسيطة. تقوم محطة راديو ببثّ أرقامٍ أو كلماتٍ مشفّرة عبر الموجات القصيرة. ويمكن لأيّ شخص في العالم التقاط هذه الإشارة. لكن شخصاً واحداً فقط يعرف معناها الحقيقيّ: من يمتلك مفتاح التشفير.
ويكون هذا المفتاح عادةً جدولاً أو دفتراً صغيراً يحوّل الأرقام إلى كلماتٍ أو جمل. عندها تتحول سلسلة أرقامٍ تبدو بلا معنى إلى رسالةٍ واضحة: عنوان، أو موعد، أو تعليمات، أو حتى تحذير.
قد يبدو هذا الأسلوب بدائياً في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، لكن المفارقة أن هذه الطريقة لا تزال فعّالةً للغاية. والسبب بسيط: أنها لا تترك أيّ أثرٍ رقميّ.
فالعميل لا يُرسل رسالة، ولا يستخدم هاتفاً، ولا يدخل إلى الإنترنت. هو فقط يستمع إلى الراديو، ما يجعل تعقّب الاتصال شبه مستحيل.
خلال الحرب الباردة، كانت هذه المحطات منتشرةً في أنحاء العالم. فقد استخدمتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ودول أوروبية للتواصل مع عملائها. وبعض هذه المحطات أصبح معروفاً حتى بين هواة الراديو، مثل محطةٍ كانت تبدأ بثها بمقطوعةٍ موسيقية قبل قراءة الأرقام.

لكن بعد نهاية الحرب الباردة، اختفى معظم هذه البثوث أو أصبحت أقلّ ظهوراً. ولهذا بدا ظهور محطة فارسية جديدة في هذا التوقيت أمراً لافتاً.
الأمر اللافت أيضاً أن البث لم يكن عشوائياً. فقد كان يحدث في أوقاتٍ محددة يومياً، ويبدأ دائماً بكلمة "تنبيه" قبل قراءة مجموعاتٍ من الأرقام. وبعد أيام قليلة، ظهرت إشارات تشويشٍ على التردد نفسه، كأن جهةً ما تحاول تعطيل البث.
هذا التفصيل مهم، لأنه يشير إلى أن الإشارة ليست مجرد ظاهرةٍ غريبة، بل شيء يراقبه آخرون ويحاولون إيقافه.
السؤال الذي يطرحه كثيرون الآن هو: هل هذه الرسائل موجهة فعلاً إلى عملاءٍ داخل إيران؟
من الصعب معرفة الإجابة. فطبيعة هذا النوع من الاتصال تجعل التأكّد من ذلك شبه مستحيل. لكن في بيئةٍ مثل إيران، حيث يمكن أن تتعرض الاتصالات الرقمية للمراقبة أو القيود، قد تصبح هذه الطريقة القديمة وسيلةً آمنة للتواصل.
هناك احتمال آخر أيضاً. ففي بعض الأحيان لا تكمن قيمة مثل هذه الإشارات في الرسالة نفسها، بل في الشك الذي تخلقه. فظهور بث غامض قد يدفع الأجهزة الأمنية إلى البحث عن مستمعين محتملين أو فتح تحقيقاتٍ داخلية.
بمعنىً آخر، قد تكون الرسالة موجهةً ليس إلى عميل محتمل فحسب، بل أيضاً إلى من يحاول اكتشافه.
نبض