هل حظر الـ"سوشيال ميديا" هو الحلّ الأمثل؟
هيلدا نرش*
في قرار حظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال والأولاد، تستند السلطات في دول العالم إلى أدلة متراكمة تربط بين الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي وتدهور الصحة العقلية للقاصرين. تشير دراسة "عقول متصلة" (Connected Minds Study) التي أجراها معهد موردوك لأبحاث الأطفال إلى أن 75% من المراهقين في أستراليا يعانون من أعراض سريرية للاكتئاب أو القلق، معتبرة الحظر "تجربة اجتماعية كبرى" لتقليل هذا العبء النفسي.
وبينما يرى مؤيدون، مثل الدكتور جوزيف سكوت من جامعة "صن شاين كوست"، أن الحظر "خطوة ضرورية لحماية أدمغة القاصرين من الخوارزميات المفترسة" ، يحذر آخرون من عواقب غير مقصودة، أولها فقدان الدعم الاجتماعي، فبالنسبة إلى المراهقين الذين يعانون من الوحدة أو الانتماء لمجموعات أقلية، تمثل المنصات مساحة آمنة للتواصل والشعور بالتحقق؛ وثانيها التأخر في تطوير المهارات الرقمية، فالحظر الكامل قد يحرم المراهقين من فرصة تعلم كيفية التعامل مع المخاطر الرقمية تحت إشراف الوالدين، وهذا يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر عند بلوغ سن 16 عاماً واقتحام العالم الرقمي دفعة واحدة؛ وثالثاً الهروب نحو "الإنترنت المظلم"، فثمة مخاوف من أن يدفع الحظر القاصرين نحو تطبيقات مراقبة غير منظمة أو غرف دردشة مشفرة تماماً، يغيب فيها أي شكل من أشكال الرقابة أو تصفية المحتوى.
وبناءً على المعطيات الراهنة، يمكن توقع المسارات الآتية في تطور تدابير حماية القاصرين.
أولاً، الانتقال نحو التحقق على مستوى الجهاز ونظام التشغيل. فبدلاً من قيام كل تطبيق بالتحقق من العمر بشكل مستقل، ستضغط الحكومات (كما فعلت الصين) ليكون التحقق عند "بوابة الدخول الأولى" - أي عند إعداد الهاتف المحمول أو حساب "آبل" أو "غوغل" - بحيث يتم تمرير إشارة "العمر الموثوق" تلقائياً إلى كافة التطبيقات والمواقع.
ثانياً، ظهور "الإنترنت ثنائي المسار". نحصل على مسار خاضع للرقابة الشديدة والتحقق من الهوية للقاصرين، وعلى مسار حر للبالغين، مع استمرار الصراع التقني حول أدوات الالتفاف مثل (VPN).
ثالثاً، توسيع المسؤولية الجنائية. مرجح أن تحذو دول أخرى حذو إسبانيا في تحميل المديرين التنفيذيين لشركات التكنولوجيا مسؤولية شخصية عن فشل خوارزمياتهم في حماية الأطفال، وهذا سيغير بشكل جذري كيفية تصميم هذه الشركات منتجاتها.
إن الحظر الأسترالي ليس نهاية المطاف. إنه شرارة أشعلت ثورة تشريعية عالمية تهدف إلى إعادة تعريف "الطفولة الرقمية" وحمايتها من التأثيرات السيادية والاقتصادية والنفسية للفضاء السيبراني غير المنظم. ونجاح التدابير العالمية يعتمد على قدرة التكنولوجيا على مواكبة التشريعات من دون المساس بالخصوصية الأساسية للمواطنين، وهذا هو التحدي التقني والأخلاقي الأكبر في القرن الحادي والعشرين.
نبض