"ميس رايتشل" وفخّ الجودة الرقمية

تكنولوجيا 06-02-2026 | 06:20

"ميس رايتشل" وفخّ الجودة الرقمية

لتكن العزيزة "ميس رايتشل" ضيفاً في المنزل، ولا تتحول إلى فرد في العائلة، حاضرة دائماً.
"ميس رايتشل" وفخّ الجودة الرقمية
"ميس رايتشل" في أحد مقاطعها التعليمية. (صورة مأخذوذة من قناتها الخاصة في يوتيوب)
Smaller Bigger

 

لي حفيدةٌ ما بلغت بعدُ سنتها الأولى، مأخوذة دائماً بـ "ميس رايتشل"، فإذا سمعت صوتها بحثت عنها راسمة على محياها ضحكة من وجد شيئاً ضيّعه سنوات. ولمن لا يعرف "ميس رايتشل"، فهي رايتشل غريفين أكورسو، صاحبة قناة "أغانٍ للصغار" (Songs for Littles) على منصة "يوتيوب"، وصارت واحدة من أشد الظواهر تأثيراً في التاريخ الحديث للإعلام التربوي.

 

وأكورسو هذه معلمة موسيقى تحمل شهادتي ماجستير في التربية الموسيقية وفي تنمية الطفولة المبكرة، حوّلت ببراعة تقنيات علاج النطق واللغة المعقدة إلى محتوى رقمي جذاب، يستهدف الأطفال من سن الرضاعة وحتى ما قبل المدرسة، باعتماد محتوى "جاد" باستراتيجيات قائمة على أدلة علمية تُستخدم في عيادات علاج النطق واللغة (SLP). وهي أطلقت قناتها استجابة لحاجة شخصية بعد تأخر ابنها في النطق، فهذا دفعها للبحث عن وسيلة لسد الفجوة بين المحتوى التعليمي السائد وبين التقنيات المتخصصة التي يحتاجها طفل يعاني تأخراً لغوياً.  

 

 

ميس رايتشل ودماها التعليمية. (أ ف ب)
ميس رايتشل ودماها التعليمية. (أ ف ب)

 

 

تجذب "ميس رايتشل" الأطفال إليها بفضل استخدامها لغة الوالدين (النبرة العالية قليلاً والإيقاع البطيء وغناء مخارج حروف)، والتقرّب مرئياً من الأطفال بتصوير وجهها عن قرب ليتمكنوا من مراقبة حركات فمها ولسانها وشفتيها، فيتعلموا نطق الأصوات، واستثارة الفضول فيهم بطرح الأسئلة ثم الصمت ثوانٍ مع نظرة ترقب، وهذا يمنح الطفل فرصة ذهنية "لسد الفجوة" اللفظية، في محاكاة لما يسمى "التفاعل التبادلي". ولا يخفى أن دمجها الإشارات والإيماءات مع الكلمات يقلّل منسوب الإحباط في الأطفال الذين لا يمتلكون القدرة على النطق بعد.

 

لا مفرّ من الاعتراف فعلياً بأن الموارد التعليمية التي توفّرها "ميس رايتشل" عالية الجودة ومجانية، حتى أن بعض المتخصصين في "التربية ما قبل سن المدرسة"  يشيدون بمحتواها الذي يتبع بدقة بروتوكولات مطابقة لما يقدّم في جلسات علاجية لأطفال تأخروا في النطق، وهذا لا يفيد الأطفال وحدهم، لكن الفائدة تعمّ حتى الكبار.

 

ولكن!

 

رغم الميزات الكثيرة، القلق متزايد فعلياً من تحول مشاهدة "ميس رايتشل" إلى تعلق مرضي أو إدمان رقمي مبكر، بعد الإبلاغ عن رفض بعض الأطفال أي نشاط بديل عنها، والتعبير عن ذلك بنوبات من البكاء لا تتوقف إلا بعودتها إلى شاشة التلفاز أو الهاتف أو الجهاز اللوحي.

 

ينشأ التعلق المرضي من طبيعة "التوجه المباشر" الذي تعتمده "ميس رايتشل"، إذ تنظر إلى الكاميرا وتخاطب الطفل وكأنها تراه، وبالنسبة إلى عقل طفل في مرحلة التطور، يصدق أنها تراه، فينسج معها علاقة شبه اجتماعية وثيقة. ووصل ببعض الأطفال إلى مناداتها "ماما"، وببعض الأهالي إلى وصف حالة أطفالهم في أثناء مشاهدتها بمصطلح مخيف: "الزومبي"... إذ يستغرقون كلياً في محتواها. وهكذا، رغم جودته، قد يمارس هذا المحتوى تحفيزاً قوياً على مراكز المكافأة في الدماغ، ما يجعل الأنشطة الواقعية مملة مقارنة بمثيرات بصرية وسمعية منظمة.

 

 

اعتراف إعلامي بنجاح ميس رايتشل وبرنامجها التربوي. (أكس)
اعتراف إعلامي بنجاح ميس رايتشل وبرنامجها التربوي. (أكس)

 

 

أحد أشد الأسئلة تعقيداً بشأن هذه الظاهرة هو: هل توفر جودة المحتوى ثغرة تسمح بتسلل السلبيات؟ إن هالة "الجودة" والصبغة التعليمية التي يصطبغ بها محتوى "ميس رايتشل" تحدّان من شعور الوالدين بالقلق على طفلهما، فندخل حينها في الإفراط بالمشاهدة، وتقع العائلة في فخ "الجليسة الرقمية" الوحيدة التي لا ضرر في ترك الأطفال "معها" للانصراف للأعمال المنزلية. فتتحول "ميس رايتشل" من دون قصد من أداة تعليمية تفاعلية إلى "لهّاية رقمية"، والحجة: المحتوى المميز، علماً أن الدراسات أكدت أن "ميس رايتشل" قد تعلّم الطفل حفظ" الكلمات في سياق الفيديو، لكنها لا تعلمه في استخدامها للتواصل مع البشر الحقيقيين، ولا بدّ من تفاعل إنساني مباشر، وهذا دور الوالدين.

 

عربياً، ظهرت قنوات تتبع الفلسفة التعليمية نفسها، مثل "كلام كيدز" (Kalam Kids) التي تقدمها "المعلّمة أبرار" و"المعلّمة ريناد" اللتان تركزان على تعليم العربية باستخدام تقنيات النطق البطيء والإيماءات والوقفات نفسها، لكنهما لم تستطيعا أن تقوما مقام "ميس رايتشيل" الأخف ظلاً.

 

ما العمل إذاً؟ توصي الجمعية الأميركية لطب الأطفال (AAP) بضرورة منع الشاشات تماماً للأطفال دون 18 شهراً، باستثناء مكالمات الفيديو الحية مع الأقارب، وتحديد وقت المشاهدة بساعة واحدة كحد أقصى يومياً للأطفال بين سنتين و5 سنوات بوجود الوالدين، ومنع الشاشات نهائياً في أوقات الوجبات وقبل النوم بساعة وفي السيارات، إضافة إلى توفير بدائل كاللعب بالماء أو الرمل، واللعب في الهواء الطلق.

 

ربما تكون التوصية الأهم هي إبقاء العزيزة "ميس رايتشل" ضيفاً في المنزل، وعدم تحويلها إلى فرد في العائلة حاضرة دائماً. فالثغرة التي تتسلل منها السلبيات هي "فراغ يتركه الوالدان عندما يتوقفون عن ممارسة دورهما كمصدر أساسي للتحفيز اللغوي والوجداني، بحجة جودة البديل الرقمي".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 10:51:00 AM
خطوة رقمية جديدة تدخل باصات النقل المشترك في لبنان، و"النهار" تشرح تفاصيل "غوغل ترانزيت" وتأثيره على التنقّل اليومي
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 12:00:00 PM
عطية: شركة طيران الشرق الأوسط لا تبدي رغبة فعلية في تشغيل المطار، لأسباب تتعلق بعدد الطائرات المتوافرة لديها أو بقدراتها التشغيلية