2026 كنقطة تحوّل في العلاقة بين منصّات التواصل والقانون

تكنولوجيا 30-01-2026 | 08:10

2026 كنقطة تحوّل في العلاقة بين منصّات التواصل والقانون

تشريعات ومحاكمات عالمية تعيد رسم مسؤولية منصات التواصل، مركزة على الخوارزميات والتصميم وحماية القاصرين رقمياً.
2026 كنقطة تحوّل في العلاقة بين منصّات التواصل والقانون
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

فاطمة خليل

ربما يكون هذا العام من أكثر الأعوام قسوة على شركات منصّات التواصل الاجتماعي، إذ فُرض في أستراليا حظر استخدام هذه المنصّات على القاصرين دون سن السادسة عشرة، وفي فرنسا على من هم دون الخامسة عشرة، إلى جانب دول عديدة تطرح مشاريع قوانين تسير في الاتجاه ذاته.

 

ومن جهةٍ أخرى، لا يمكن التعامل مع عام 2026 بوصفه مجرد سنة مزدحمة بالمحاكمات، بل ينبغي النظر إليه كنقطة تحوّل قانونية مفصلية في تاريخ منصّات التواصل الاجتماعي. ففي هذا العام انطلقت أولى المحاكمات التي تستهدف شركات كبرى مثل "ميتا" و"تيك توك" و"يوتيوب"، على خلفية دعاوى تتعلق بإدمان المراهقين والتأثيرات النفسية السلبية الناجمة عن استخدام هذه المنصّات. وهي قضايا تتجاوز بعدها القضائي المباشر لتفتح نقاشاً أوسع حول حدود مسؤولية الشركات التكنولوجية في العصر الرقمي، ودور القانون في مواكبة التحوّلات التي فرضها الاستخدام المكثّف للتكنولوجيا في الحياة اليومية. وعلى هذا الأساس، تبرز المحاكمات الجارية ضد عمالقة التكنولوجيا كأحد أهم تجليات هذا التحوّل.

 

بين "مورد المعلومة" و"الوسيط التقني"
لفهم الإطار القانوني لهذه المواجهة، تشرح د. عطاف قمرالدين اختصاصية في القانون الجزائي والباحة في الحقوق الرقمية، في حديثها لـ "النهار" أن النشاط الإلكتروني يقوم على تداخل أدوار متمايزة قانوناً. فالقانون يفرّق بين المشغّل الذي يؤدي دوراً إيجابياً في إنشاء المحتوى ونشره، ويُعرف بـ"مورد المعلومة"، وبين مشغّلين يقتصر دورهم على نقل المعلومات أو تخزينها من دون التدخّل في مضمونها، وهم "وسطاء الإنترنت". وتندرج منصّات التواصل، وفق هذا التصنيف، ضمن فئة "الوسطاء المستضيفين للبيانات" أو "متعهدّي الإيواء"، أي الجهات التي تتيح تخزين المحتوى وجعله متاحًا للمستخدمين من دون اختيار مسبق له.

 

اجتهاد أوروبي راسخ


وفي السياق الأوروبي، لا يُعدّ هذا التوصيف مستجداً، إذ توضّح الدكتورة قمرالدين أنّه منذ عام 2010 استقرّ اجتهاد محكمة العدل الأوروبية، إضافةً إلى قرارات محكمة التمييز الفرنسية، على اعتبار الشبكات الاجتماعية وسيطاً مستضيفاً للبيانات وفقاً للمادة السادسة من القانون الفرنسي رقم 575 الصادر عام 2004 والمعدّل بالقانون 532 لعام 2025. وبموجب هذا الإطار، تستفيد هذه المنصّات من نظام مسؤولية خاص كرّسته اللائحة الأوروبية رقم 2022/2065 الصادرة في 19 تشرين الأول/نوفمبر 2022، والتي لا تفرض التزاماً عاماً بمراقبة المحتوى طالما أنّ المنصّة لا تلعب دوراً فاعلاً في اختياره.

 

صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

 

 

حصانة مشروطة


وتشير قمرالدين إلى أن الإعفاء من المسؤولية مبدأ مبرّر قانوناً، إذ يُفترض عدم علم المنصّة بطابع المحتوى غير المشروع ما دامت لا تختاره ولا تُلزم بمراقبته. ولا تُثار مسؤوليتها إلا في حال امتنعت عن التحرّك فور علمها بالمخالفة، غالباً عبر آليات الإخطار أو التبليغ، من خلال عدم حذف المحتوى أو منع الوصول إليه.

 

المقاربة الأميركية: مظلّة المادة 230


أما في الولايات المتحدة، فقد ارتكزت حماية منصّات التواصل على أساس قانوني متين، توضحه قمرالدين بالإشارة إلى أنّ المادة 230 من قانون "Communications Decency Act" منحت المنصّات حصانة شبه مطلقة من المسؤولية عن محتوى المستخدمين، وهو ما كرّسه تفسير قضائي واسع أبقاها في موقع الوسيط التقني المحايد لسنوات طويلة.
تحوّل في منطق الدعاوى

وهنا توضح الدكتورة قمرالدين أنّ القضايا الأخيرة ضد شركات كـ "ميتا" و "تيك توك" و"يوتيوب" كسرت المنطق القانوني التقليدي، إذ لم تعد الدعاوى تركّز على المحتوى الذي ينشره المستخدمون بحدّ ذاته، بل على القرارات التصميمية والخوارزميات التوصوية التي تحدّد ما يظهر على الشاشات وبأي ترتيب، وكيف يُدفع المستخدم تدريجياً نحو محتوى معيّن قد يُوصف بالإدماني. هنا، تنتقل المسؤولية من مضمون المنشور إلى بنية النظام نفسه، أي إلى خيارات الشركات بوصفها مصمّمة ومديرة للمنصّة، لا مجرّد وسيط تقني محايد.

 

هل نحن أمام سابقة؟


من وجهة نظر قانونية، ترى قمرالدين أن هذا التطوّر يشكّل تحوّلاً جوهرياً، لأنه يفصل بوضوح بين المسؤولية عن المحتوى، حيث لا تزال الحصانة قائمة، والمسؤولية عن التصميم والخوارزميات، وهي مساحة قابلة للمساءلة. هذا الفصل يفتح الباب أمام توصيف المنصّات كفاعل نشط، لا كوسيط محايد، وقد يؤدي، في حال ترسيخه، إلى إعادة بناء المسؤولية القانونية على أساس "المسؤولية عن المنتج"، وهو مسار جديد في القانون الرقمي.

 

ما بعد الأحكام


في حال صدور أحكام أو تسويات كبرى، يُتوقّع أن تنعكس هذه القضايا تشريعيًا، لا سيما على المستوى الدولي. إذ قد تجد الشركات نفسها أمام معايير موحّدة تُفرض عليها، لتفادي تضارب السياسات القانونية بين الدول.

وتبرز هنا اللائحة الأوروبية 2022/2065 كنموذج متقدّم، إذ لا تفرض رقابة مسبقة على المحتوى، لكنها تُلزم المنصّات بإدارة مخاطر منهجية، وتقييم أثر خوارزمياتها على الحقوق الأساسية، والصحة النفسية، وحقوق القاصرين، معتبرة أن المنصة تفقد حيادها متى لعبت دوراً إيجابياً في ترتيب المحتوى أو الترويج له.

في المحصلة، يطرح عام 2026 سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل وسائل التواصل الاجتماعي: هل تؤدي هذه القضايا إلى إعادة تصميم حقيقية تعيد التوازن بين الربح وحماية المستخدمين، أم تنتهي بتسويات مالية تُغلق الملف مؤقتاً؟

الأكيد أنّ هذا العام أعاد تحديد أساس المسؤولية القانونية، ناقلاً إياها من محتوى المنشور إلى كيفية إدارة المنصة له، ما قد يؤسس لمرحلة جديدة في مسار القانون الرقمي العالمي.

الأكثر قراءة

ثقافة 1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة 1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير 1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير 1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...