الخطر الذي يهدد الرياضيين... ما هي متلازمة نقص الطاقة النسبي؟

رياضة 30-10-2026 | 00:44

الخطر الذي يهدد الرياضيين... ما هي متلازمة نقص الطاقة النسبي؟

متلازمة نقص الطاقة النسبي تهدد الرياضيين بتدهور الأداء وصحة العظام. تعرف على أعراضها، أسبابها، وكيفية الوقاية والعلاج للحفاظ على مسيرتك الرياضية
الخطر الذي يهدد الرياضيين... ما هي متلازمة نقص الطاقة النسبي؟
العداء البريطاني جاك سميث. (حساب سميث على إنستغرام)
Smaller Bigger

"إذا واصلت على هذا المنوال، فستجد نفسك على كرسي متحرك عندما تبلغ الثلاثين من العمر". هذا ما قاله الأطباء للعدّاء البريطاني للمسافات الطويلة جاك سميث قبل أربع سنوات.

من الخارج، كانت مسيرته الرياضية تسير على نحو مثالي؛ ففي سن الثالثة والعشرين، وقّع عقداً احترافياً مع شركة "نايكي"، ومثّل بريطانيا العظمى على الساحة الدولية.

لكن جسده، في الوقت ذاته، كان يتدهور تدريجياً، وسط حلقة مفرغة لا تنتهي من السباقات والمرض والإصابات، ثم العودة إلى السباقات من جديد.

أدّى الجمع بين برنامج تدريبي مكثف واضطرابات في الأكل إلى عودة سميث، البالغ اليوم 28 عاماً، من معسكر تدريبي في أوغندا بوزن لا يتجاوز ثمانية أحجار، أي نحو 51 كيلوغراماً، وطول يبلغ 1.7 متراً. وأصبحت عظامه هشّة إلى درجة دفعت الأطباء إلى تحذيره من احتمال انتهاء مسيرته الرياضية.

وبعد تعرضه لكسرين إجهاديين خلال أربعة أشهر فقط، قرر سميث طلب المساعدة المتخصصة، فشُخّصت حالته بمتلازمة "نقص الطاقة النسبي في الرياضة"؛ ويمكن لهذه المتلازمة أن تصيب أي شخص. وإذا لم تُشخّص أو تُعالج، فقد تؤثر سلباً في الأداء الرياضي وتتسبب في مشكلات صحية خطيرة وطويلة الأمد.

وتحظى أعراض هذه الحالة لدى النساء بتوثيق أكبر نسبياً. ففي الشهر الماضي فقط، كشفت لاعبة التنس إيما نافارو عن إصابتها بالمتلازمة، وقرارها الابتعاد عن المنافسات حتى عام 2027.

لكن الرجال معرضون للإصابة بها بالقدر ذاته. وبسبب الوصمة الاجتماعية وغياب العلامات التحذيرية الواضحة في كثير من الأحيان، قد تمر الحالة من دون اكتشاف لفترة أطول، ما يجعل كثيرين، مثل سميث، يعانون بصمت.

 

لاعبة التنس إيما نافارو.
لاعبة التنس إيما نافارو.

 

ما هي متلازمة نقص الطاقة النسبي في الرياضة (RED-S)؟

قد تتسبب متلازمة نقص الطاقة النسبي في الرياضة في إصابات الإجهاد العظمي، واضطرابات النوم، والإرهاق، وتراجع الحالة المزاجية. وإذا تُركت من دون علاج، فقد تؤدي إلى مشكلات صحية خطيرة على المدى الطويل، من بينها هشاشة العظام وأمراض القلب والأوعية الدموية ومشكلات الخصوبة، بحسب ما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية "BBC".

وتوضح الدكتورة نيكي كاي، المتخصصة في صحة الهرمونات، أن كثيراً من هذه الأعراض ينتج من اضطرابات هرمونية ناجمة عن عدم الحصول على كمية كافية من الطاقة.

وتقول: "تؤثر الهرمونات في كل جزء من أجزاء الجسم. لذلك، عندما لا تعمل الهرمونات على نحو سليم، ستشعر بتأثير ذلك في جوانب مختلفة من صحتك".

وتضيف: "لكي تعمل الهرمونات بصورة صحية، يجب تزويد الجسم بالطاقة بانتظام. وإذا لم يحدث ذلك، ووجد الجسم نفسه في حالة عجز في الطاقة، فقد تتباطأ بعض الأنظمة الهرمونية، أو تتوقف تماماً عن العمل".

 

جاك سميث.
جاك سميث.

 

كيف تختلف أعراض نقص الطاقة النسبي بين الرجال والنساء؟

تتمتع النساء بمؤشر شهري يساعد في متابعة صحتهن الهرمونية، وهو الدورة الشهرية.

وببساطة، توضح بأن الدورة الشهرية لدى المرأة المصابة بمتلازمة نقص الطاقة النسبي قد تتوقف تماماً.

أما لدى الرجال، فتكون العلامات أقل وضوحاً، إذ تنخفض مستويات هرمون التستوستيرون، ما يؤدي إلى تراجع الرغبة الجنسية والشعور بالإرهاق.

وكان تأثير الحالة في الدورة الشهرية لدى النساء سبباً في إطلاق اسم "الثالوث الرياضي الأنثوي" عليها في أوائل تسعينيات القرن الماضي.

لكن اللجنة الأولمبية الدولية أعادت تسميتها عام 2014، للاعتراف بنطاق أوسع من أعراض نقص الطاقة، والإقرار بأن الحالة تؤثر أيضاً في الرياضيين الرجال.

وتقول كاي: "أدركنا أننا كنا نتجاهل نصف السكان. إنه أمر غريب، لأن صحة المرأة هي عادةً الجانب الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي. لكن الرجال هم الذين لم يتم الاعتراف بمعاناتهم أو تمثيلهم في هذه الحالة"، بحسب ما نقلت "بي بي سي".

وبعد مرور 12 عاماً على تغيير التسمية، يبدو أن القرار كان في محله، إذ تشير أبحاث حديثة إلى مدى انتشار الحالة بين الرجال.

فقد أظهر تحليل تلوي، نُشر العام الماضي في مجلة "سبورتس ميديسن" الأسترالية، واستند إلى دراسة شملت آلاف الرياضيين المحترفين والهواة حول العالم، أن 44.2% من الرياضيات و49.4% من الرياضيين الرجال يعانون من انخفاض توافر الطاقة.

 

العداء البريطاني جاك سميث. (حساب سميث على إنستغرام)
العداء البريطاني جاك سميث. (حساب سميث على إنستغرام)

 

 لماذا تنتشر متلازمة نقص الطاقة في الرياضة؟

يكمن أحد أسباب انتشار الحالة في العبارة الشائعة: "كلما انخفض الوزن، زادت السرعة".

فعلى مدى عقود، سادت هذه الفكرة في رياضات مثل الجري لمسافات طويلة، وركوب الدراجات، وتسلق الجبال، والفروسية، والرقص، والرياضات التي تعتمد على المظهر الجسدي، مثل الغطس والجمباز.

وبالنسبة إلى رياضيين مثل سميث، كانت هذه الفكرة بداية المشكلة.

ويقول: "آمنت بهذه الفكرة لسنوات. كنت أعتقد أنها الطريق إلى التقدم. بدأت أفكر في كيفية تحسين رقمي في نصف الماراثون بعشر ثوانٍ، وتساءلت إن كان خفض وزني هو الحل. عندها بدأ كل شيء ينهار في ذهني".

في البداية، قد تنجح هذه الاستراتيجية بالفعل.

 

 

 

 

فعندما يواجه الجسم خياراً بين توفير الطاقة اللازمة لتلبية متطلبات التدريب والحفاظ على صحته، فإنه يعطي الأولوية للحركة، نتيجة آليات تطورية مرتبطة بالبقاء وتجنب الحيوانات المفترسة.

وهذا يعني أن الرياضيين قد يفقدون الوزن، ويواصلون التدريب وممارسة التمارين، بل ويحققون نتائج جيدة أيضاً.

لكن هذا النجاح لا يستمر إلى الأبد.

وتصف كاي هذه المكاسب بأنها "ذهب زائف"، إذ يتكيف الجسم في نهاية المطاف مع نقص الطاقة، ما يؤدي إلى تراجع الأداء وارتفاع خطر التعرض للإصابات.

 

سميث.
سميث.

 

 

دراسة على راكبي الدراجات تكشف انتشار نقص الطاقة لدى الرجال

دفعت هذه المواقف السائدة بين الرياضيين الرجال كاي إلى إجراء تجربة عام 2019.

فبعد تقييم 50 دراجاً تنافسياً، وجدت في الفحوص الأولية أن ما يقرب من نصفهم يعانون من ضعف صحة العظام، فيما كان 25% منهم مصابين بمتلازمة نقص الطاقة النسبي في الرياضة.

وقُسّم الدراجون بعد ذلك إلى مجموعتين، على مدى ستة أشهر. واصلت المجموعة الأولى تدريباتها وعاداتها الغذائية السابقة، فيما تلقت المجموعة الثانية إرشادات من كاي بشأن التغذية والتدريب.

وتقول كاي: "المجموعة، التي تركتها تتصرف وفق عاداتها المعتادة اتبعت، للأسف، النهج نفسه، وخسرت مزيداً من كثافة المعادن في العظام بمعدل يشبه ما يحدث لرواد الفضاء في الفضاء".

وتضيف: "كان أداؤهم مقبولاً. لكن نتائجهم في السباقات لم تكن بالمستوى المتوقع مقارنة بقدرتهم الوظيفية على إنتاج الطاقة المعروفة بمصطلح القدرة الوظيفية عند العتبة (FTP)".

أما المجموعة التي أشرفت عليها، فقد شهدت تحسناً في صحة العظام وحققت نتائج جيدة جداً في السباقات.

وتوضح: "أصبح لديّ دليل على أن متلازمة نقص الطاقة موجودة على نطاق واسع بالفعل بين مجموعة الدراجين الرجال الذين درستهم، وأن عدم الحصول على الطاقة الكافية يؤدي إلى تراجع الأداء".

لكنها تؤكد أن الخبر الجيد هو إمكانية التعافي من هذه المتلازمة، مضيفة: "يمكن عكس آثار نقص الطاقة، لكن عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة يعني استمرار التدهور".

 

 

 

 اضطرابات الأكل والضغط المرتبط بالوزن لدى الرياضيين

نظراً إلى أن المتلازمة وأعراضها لا تزال غير معروفة على نطاق واسع، يصعب في كثير من الأحيان معرفة الجهة التي يمكن اللجوء إليها للحصول على المساعدة.

وبعد معاناتها من الحالة، أسست العداءة البريطانية السابقة بيبا وولفن موقعاً إلكترونياً يحمل اسم "بروجكت ريدز" (Project REDs)، يقدم معلومات وموارد عملية للرياضيين والمدربين وأولياء الأمور والعاملين في القطاع الصحي.

كما تساعد كاي رياضيين من مختلف المستويات على التعافي من المتلازمة. وعلى الرغم من أن معظم مرضاها من النساء، فإنها بدأت تلاحظ تزايد عدد الرجال الذين يطلبون المساعدة، وغالباً ما تكون حالتهم، بحسب وصفها، "سيئة للغاية".

وتقول: "أعتقد أن الرجال أكثر تردداً من النساء، أو ربما لا يدركون أنهم مصابون بالحالة. وأحياناً يستخدمون مصطلحاً آخر لوصفها، مثل الاحتراق النفسي".

وتضيف: "لكنني لا أمانع ذلك، لأن هناك بالفعل جانباً نفسياً مرتبطاً بمتلازمة نقص الطاقة. لماذا تفعل هذا بنفسك؟ ولماذا لا تتناول الكربوهيدرات؟".

وفي بعض الأحيان، تصعب الإجابة عن هذه الأسئلة لأن نقص التغذية لا يكون متعمداً. فقد ينتج من عدم فهم احتياجات الجسم من الطاقة أو التقليل من شأنها، أو من عدم زيادة السعرات الحرارية والكربوهيدرات بالتوازي مع ارتفاع شدة التمارين أو مدتها.

 

 جاك سميث يتعافى من متلازمة نقص الطاقة ويستهدف أولمبياد 2028

مع زيادة الوعي والتثقيف، يأمل المختصون في تغيير مسار التعامل مع متلازمة نقص الطاقة النسبي في الرياضة.

لكن كثيرين لا يزالون يعانون من الحالة من دون معرفة السبب، فضلاً عن ترددهم في الحديث عنها.

وهذا ما يدفع العداء البريطاني جاك سميث إلى مواصلة مشاركة تفاصيل رحلة تعافيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتلقى رسائل من مئات الرجال والنساء الذين يطلبون النصائح والدعم.

وقد تمكن سميث من التعافي من المتلازمة، وعاد إلى المنافسة بمستويات أفضل من أي وقت مضى، بعدما أنهى مؤخراً ماراثون برلين بزمن شخصي قياسي بلغ ساعتين وتسع دقائق و24 ثانية.

ويتمثل هدفه الكبير المقبل في المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية عام 2028. لكنه يؤكد أن الأولوية تبقى للحفاظ على صحته، والتأكد من أنه يقف على خط انطلاق كل سباق وهو في أفضل حالة ممكنة.

ويقول: "لا أتمنى أن يمر أي رياضي بالتجارب التي عشتها طوال تلك السنوات. أصبح وزني اليوم أكبر بمقدار يتراوح بين 10 و15 كيلوغراماً مقارنة بأي وقت مضى، ولم أشعر بالسعادة كما أشعر بها الآن. أنت بحاجة إلى جسد صحي لتتمكن من القيام بكل شيء آخر".

ويختم قائلاً: "أصبح وزني أكبر، لكنني أسرع وأكثر سعادة".

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
اقتصاد وأعمال 10/29/2026 2:35:00 PM
يشكل اجتماع باريس خطوة تحضيرية لتوحيد الأرقام وتحديد الخيارات القابلة للتطبيق، قبل مناقشتها مع صندوق النقد الدولي.
صحة وعلوم 10/28/2026 4:48:00 PM
وزارة الصحة أقفلت مطعماً ومستودعاً للّحوم وسط بيروت، عقب تأكيد تسجيل أربع إصابات بمرض "داء الشعرينات" الناتج عن تناول لحوم غير مطهوة.
لبنان 10/29/2026 9:03:00 AM
فقدان الاتصال بخادم رعيّتَي الحصون وفرحت الأب سمير ضو منذ ظهر الأربعاء، وسط عمليات بحث لم تُفضِ بعد إلى تحديد مكانه.