من حلم الأبطال إلى واقع الكبار... مغامرة فابريغاس تدخل مرحلة النضج
تعتبر الاستمرارية هي العنصر الجوهري في المشاريع الرياضية الناجحة؛ فلا يمكن تقييم أي تجربة كروية بناءً على موسم استثنائي فريد، بل يكمن المقياس الحقيقي في القدرة على التطوّر وتجاوز الاختبارات المتتالية. لهذا، يفرض مشروع نادي كومو الإيطالي تحت قيادة المدرب الإسباني سيسك فابريغاس نفسه كأحد أكثر النماذج التدريبية الناجحة في الكرة الأوروبية الحديثة.
لم يأتِ نجاح فابريغاس وليد الصدفة، بل جاء عبر مسار تصاعدي؛ بدأ بالتأهل من دوري الدرجة الثانية إلى "السيري آ"، ليخوض الفريق بعدها مرحلة إثبات الذات والابتعاد عن مناطق الهبوط، والاستقرار في مناطق وسط الجدول. لكن سرعان ما تطوّرت الطموحات مع ترسيخ الهوية الفنية، لينتقل كومو إلى صراع التنافس على المقاعد الأوروبية، وصولاً إلى حجز مقعد تاريخي في دوري أبطال أوروبا خلال الموسم الماضي.
هذا التدرج المنطقي نقل التجربة من حيز "القصة الممتعة" إلى مرحلة النضج الفني الشامل، حيث تتجلى صلابة المشروع وقدرته على الصمود.
صلابة فريق كومو
ظهرت هذه الصلابة مع انطلاقة الموسم الحالي؛ فبعد تعادل في المرحلة الأولى أمام أودينيزي، عاد كومو ليعلن حضوره القوي بفوز ثمين على نابولي في عقر داره. لم يكن الانتصار مجرّد استغلال لظروف مباراة، بل جاء نتيجة تفوّق تكتيكي وقراءة واعية للمجريات.
ظهر الفريق بشخصية واثقة، تتنقل بمرونة بين التحفظ الدفاعي والتحوّل الهجومي الخاطف، مما أثبت أنّ المنظومة تمتلك الأدوات الفنية التي تمكنها من مقارعة أكبر الفرق في إيطاليا.

يطرح هذا التطوّر التساؤل الأبرز حول مدى قدرة كومو على منافسة الكبار محلياً وأوروبياً على مدار موسم كامل. تؤكد المعطيات الفنية الحالية امتلاك الفريق الأهليةَ الكاملةَ ليكون نداً شرساً في المباريات الفردية، إلا أنّ المنافسة الطويلة والتواجد في الأدوار المتقدمة يرتبطان بتحديات أعمق، تتصدرها ضريبة التنافس القاري وعمق التشكيلة. يتطلب خوض مباراة كل ثلاثة أيام بين صخب الدوري الإيطالي وشراسة دوري الأبطال جودة متوازنة على مقاعد البدلاء؛ فأي هبوط بدني أو غياب للعناصر الأساسية قد يكلف الفريق أثماناً باهظة محلياً.
إلى ذلك، يبرز غياب الخبرة الأوروبية كمنظومة متكاملة، فرغم التاريخ العريض لفابريغاس اللاعب، يفرض واقع التدريب وأجواء القارة حسابات دقيقة تحسم فيها التفاصيل الصغيرة مصير اللقاءات، ولا سيما مع تغير نظرة المنافسين إلى كومو، وغياب نغمة الفريق المجتهد، وإدراكهم مدى قوته، والعمل على تضييق المساحات وفرض رقابة أشرس على مفاتيح اللعب.
يمتلك مشروع سيسك فابريغاس أساساً تكتيكياً متيناً يمنع تصنيفه كظاهرة موقتة، وهو ما يبشر بمستقبل واعد. لكن اختبار الاستمرارية والحفاظ على جاهزية القائمة البدنية والفنية يبقى حتى منتصف الموسم على الأقل بمثابة القول الفصل. إذا نجح كومو في عبور دور المجموعات أوروبياً، مع البقاء ضمن المربع الذهبي في الـ"كالتشيو"، فسينتقل النادي رسمياً من خانة المغامرة الشجاعة، ليفرض نفسه كواقع جديد يعيد تشكيل خريطة القوة في إيطاليا وأوروبا.
نبض
