كيف أعادت خريطة شمال أفريقيا تشكيل الهوية التكتيكية للدوري المصري؟
بدأت ظاهرة الاستعانة بلاعبي شمال أفريقيا في الدوري المصري تتخذ أبعاداً تصاعدية منذ سنوات عدة، بعدما كانت محصورة بحالات فردية نادرة لا تتجاوز لاعباً أو اثنين في كل موسم.
شهدت السنوات الأخيرة تحوّلاً جذرياً، ليصل المشهد في موسم 2026-2027 إلى طفرة عددية غير مسبوقة تجاوز فيها عدد المحترفين العرب حاجز الأربعين لاعباً.
امتد هذا التوجه ليشمل غالبية أندية المسابقة، وتخطى حدود أندية القمة التقليدية ليصل إلى أندية الوسط والمنافسة المحلية، ليتجاوز مفهوم المحترف الأجنبي التقليدي نطاق التجربة والمغامرة، ويتحوّل إلى خيار استراتيجي مدروس يعيد صوغ الهيكل التكتيكي للفرق المصرية.
موجة جديدة
استقبلت الملاعب المصرية في موسم 2026-2027 موجةً جديدة من الوافدين عبر صفقات بارزة، مثل انضمام المهاجم الجزائري منصف بقرار والمغربي سفيان بنجديدة إلى صفوف النادي الأهلي، وتعاقد نادي بيراميدز مع المهاجم الجزائري أحمد نذير بن بوعلي، وانضم مواطنه فارس نشّاط إلى غزل المحلة. بينما انتقل خير الدين طوال إلى المصري البورسعيدي، ومعه المغربي عبد الله زياني.

إلى جانب استمرار تواجد أسماء راسخة صنعت الفارق طويلاً مثل محمد الشيبي ووليد الكرتي مع بيراميدز، وأشرف بن شرقي مع الأهلي من المدرسة المغربية، بالإضافة إلى رضا سليم العائد من جديد إلى القلعة الحمراء، وأحمد بلحاج مع سيراميكا كليوباترا، وكذلك الجزائري عبد الرحيم دغموم في خط وسط المصري البورسعيدي. هذا المزج بين عناصر الخبرة المستمرّة والوجوه الجديدة يعكس الاقتناع التام بجدوى هذه التجربة.
مدارس مختلفة
تتوزع القوة التكتيكية لهذا التوافد العربي- الأفريقي على مدارس كروية مختلفة تحمل كل منها بصمة فريدة ومحددة، بحيث تمنح المدرسة الجزائرية الفريق الذي تلتحق به مرونةً هجومية عالية، وذلك عبر الجرأة المهارية، الضغط العالي، والقدرة على حسم المواجهات الفردية المباشرة. أما المدرسة المغربية فتجلب معها السلاسة التقنية والتأسيس الأكاديمي الرفيع، وهو ما تترجمه بوضوح مستويات محمد الشيبي ووليد الكرتي وأشرف بن شرقي من حيث الربط السلس بين الخطوط، والتمرير الدقيق تحت ضغط الخصوم، وصناعة الحلول الهجومية بمرونة تامة.
جانب نفسي
يتجاوز نجاح هذه التجارب حدود المستطيل الأخضر ليطاول الجانب النفسي، إذ ينعدم تماماً عجز التواصل اللغوي والثقافي الذي لطالما أجهض تجارب محترفين أجانب قادمين من ثقافات بعيدة، وتذوب معها أي فوارق بيئية بشكل سريع، مما يعفي الأندية من أزمات التأقلم المعتادة.
كذلك، تمتلك العناصر القادمة من أندية الشمال الأفريقي الجماهيرية، حصانة ذهنية عالية وخبرة واسعة في التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية الهائلة، الأمر الذي يجعل اندماجهم فورياً وطبيعياً في أجواء المنافسات المصرية المحتدمة.
ومن الناحية المالية والاستثمارية، تنخفض نسبة المخاطرة الاقتصادية مقارنة بالأسواق الأخرى، خصوصاً وسط تقلبات أسعار الصرف ورغبة إدارات الأندية في تحقيق معادلة الجودة العالية بأقل قدر من إهدار الموارد.
نبض