كرة اليد تكشف أزمة كرة القدم المصريّة
لا تعكس كل النتائج الرياضية الفارق الحقيقي بين المنتخبات، إذ قد تعبر بعض النتائج عن اختلاف في طريقة إدارة اللعبة أكثر من تعبيرها عن مستوى الأداء داخل الملعب.
يظهر ذلك بوضوح عند مقارنة واقع كرة القدم النسائية في مصر بالإنجاز التاريخي الذي حققه منتخب ناشئات كرة اليد تحت الـ18 عاماً في بطولة العالم، فالفرق هنا لا يتعلق فقط بالفوز أو الخسارة، بل يكشف الفجوة بين منظومة ما زالت تبحث عن مسارها، وأخرى تجني ثمار سنوات من التخطيط والعمل المؤسسي.
فبينما غادر منتخب كرة القدم النسائي المصري كأس أمم أفريقيا من دون تحقيق أي نقطة، بعد تعرّضه لهزيمتين، إحداهما ثقيلة أمام زامبيا بستة أهداف بلا رد، قدم منتخب ناشئات كرة اليد أداءً استثنائياً خلال مشاركته الأولى في بطولة العالم.
ولم يكتفِ المنتخب بتصدر مجموعته بالعلامة الكاملة متفوّقاً على منتخبات عريقة مثل فرنسا وكرواتيا وفيجي، بل حقق أيضاً انتصاراً كاسحاً على فيجي بنتيجة 83-17.
ولم يقتصر الإنجاز على التأهل فقط، بل سجل ثلاثة أرقام قياسية في تاريخ البطولة، بعدما أصبح الأكثر تسجيلاً للأهداف في مباراة واحدة، والأكثر إحرازاً للأهداف في شوط واحد، وصاحب أكبر فارق أهداف في تاريخ البطولة.

ولا يبدو هذا التميز وليد جيل استثنائي أو مجرّد طفرة موقتة، بل امتداداً لمنظومة رسخت نجاحها أولاً مع منتخب الرجال، الذي فرض نفسه خلال السنوات الأخيرة بين كبار العالم، ونافس باستمرار على المراكز المتقدمة في البطولات الدولية، قبل أن تنقل فلسفة العمل نفسها إلى منتخبي السيدات والناشئات.
وتكمن قيمة هذه التجربة في أنها لم تعتمد على وفرة المواهب وحدها، بل على بناءً منظومة متكاملة، قوامها الاستقرار الفني والإداري، والاعتماد على الكفاءة في اختيار العناصر، والعمل وفق رؤية طويلة المدى لا تتغير بتغير الأشخاص.
لهذا، لم يعد النجاح مرتبطاً بجيل معين، بل أصبح قابلاً للتكرار مع مختلف المنتخبات والفئات العمرية.
أزمة كرة القدم المصرية
في المقابل، لا تبدو أزمة كرة القدم المصرية مرتبطة بقلة المواهب أو ندرتها، بقدر ارتباطها بغياب المشروع المؤسسي القادر على اكتشافها وتطويرها، فالتغيير المستمر، وغياب الاستقرار، وتغليب العلاقات الشخصية على الكفاءة في بعض الملفات، كلها عوامل تجعل بناء مشروع رياضي طويل الأمد مهمة بالغة الصعوبة، مهما امتلكت الأندية والمنتخبات من عناصر موهوبة.
وإذا أرادت كرة القدم المصرية استعادة مكانتها، فلن تحتاج إلى البحث عن نماذج بعيدة أو تجارب يصعب تطبيقها، فالنموذج الأقرب والأكثر نجاحاً موجود بالفعل داخل البيت الرياضي المصري، بعدما أثبتت كرة اليد أنّ الإنجازات تبدأ من الإدارة، قبل أن تُحسم داخل الملعب.
نبض